أبو علي سينا
110
التعليقات
إمكان وجود الشيء يكون له من نفسه ، ووجوبه يكون له من غيره . وكل ماله إمكان وجود تخصّص . فإن كان ذلك الشيء مما يجتمع نوعه في شخصه فقد تخصص إمكان وجوده بذاته ، ولا يصح وجود غير ذلك الشخص ولا يحتاج إلى سبب مرجح يرجحه على غيره ، إذ لا يصح وجود غيره . فإن لم يكن على هذا الوجه بل كان مما لا يجتمع نوعه في شخصه وكان بحيث يصح وجود أي شخص كان من أشخاصه كانت المادة مستعدة لقبول أي شخص كان ، فيكون لذلك الشخص إمكان تخصص وتخصصه شيء من خارج . مثلا المادة الإنسانية مستعدة لقبول النفس الإنسانية ، ونسبتها إلى كل واحدة منها بالسّوية . فإذا خصصها بقبول نفس دون نفس مخصص من خارج وتهيأت لذلك ، أفاض عليها واهب الصور تلك النفس التي تهيأت بتخصصاتها إذ لا توقّف البتة في فعله ولا إمكان ، بل إفاضته بالفعل دائما . وأفعال الناس بخلاف ذلك ، فنحن إذا أردنا مثلا أن نجعل ماء في مكان فيجب أن نهيئ ذلك المكان لنستنقع فيه الماء . فإذا تهيأ وتخصص استعداده لذلك لم نكن نحن مفيضين عليه بالفعل ما قد تهيأ له ، بل نحن نعد بالقوة فإذا امتحنا إليه الماء حصل فعلنا عند ذلك بالفعل . [ مادة الفلك ] هيوليات الفلك ليس لها إمكان بعيد فلا تحتاج إلى مخصّصات وإنما لها الإمكان القريب ، فتوجد دائما متخصصة من ذاتها لا من خارج . وهيوليات الأجسام الكائنة الفاسدة بخلاف ذلك ، فإن الهيولى لها إمكان أن تقبل الماء وهي في حال ما هي قابلة فيها لصورة النار ، لكن ليس ذلك الإمكان كإمكانه لقبول صورة الماء وقد انسلخت عنها صورة النار فإنها عند ذلك متخصصة الاستعداد والإمكان لقبولها . ويشبه أن تكون النفس عند المفارقة تكون متخصصة الاستعداد لقبول الكمال ولا سيما إذا كانت زكية ، ولم يكن لها هيئة إلى البدن ومقتضياته من اللذات والشهوات الخسيسة والهيئات الرديئة . كلّ نفس فلها إمكان مخصص لقبول الفيض إلا أن منها ماله إمكان بعيد فيحتاج إلى مخصص من خارج ، ومنها ما يكون له إمكان قريب فتتخصص من ذاتها لقبول الفيض . النفس المفارقة لا تتشخص بوضع ، ولا بدن ، فلا محالة أن لكل واحدة منها اختصاصا بحال استفادتها من الشخص الذي كان لها قبل المفارقة ، إلا أنا لا نعرف ذلك الاختصاص . [ الكلى والجزئي ] المعنى الكلى لا يصدر عنه جزئي فإنه ليس بأن يتناول هذا الجزئي أولى منه بأن يتناول ذلك الجزئي ، فيكون ذلك سببه شيء مخصص لوجود هذا الجزئي مرجح له على غيره من الجزئيات . فالعلة المفارقة المبدعة للنفوس وإن كانت ذاتا واحدة فكأنه عام لعموم فعله فليس بأن تصدر عنه نفس أولى بأن تصدر عنه نفس ( 38 أ ) أخرى . وكذلك المادة