أبو علي سينا
104
التعليقات
بالضد مما يعرض لها ، فإن تلك النفوس تعرف وجه الحكمة فيها ونحن نجهله ، فكما أن هذه الأحوال الدنياوية يتعجب منها الناس فإنها تستفز من يعرف وجه الحكمة فيها أكثر . هذه الكائنات وأحوالها تحدث عن هذه الحركة بالقصد الثاني . الفلك له عقل مفارق يعقل الأشياء ويستمد تعقلها من عقل فعال . فإذا عقلها على هذا الوجه أفاضها على نفس الفلك الحيوانية فيتخيلها . [ حركة الأفلاك ] لما كانت النفس الفلكية متحركة نحو الكمال الأول وهو المفارق ولم ( 35 ب ) يكن ذلك الكمال مما يبلغ بالحركة ، صار كل حد ينتهى إليه في الحركة علة لأن يطلب حدّا آخر وكذلك إلى ما لا نهاية . تجدّد الحركات الطبيعية تابع لتجدد الحال الغير الطبيعية ، وتجدّد نسب البعد عن الغاية فإنه لا يزال على نسبه إلى أن يبلغ الغاية وذلك كالحجر في هويّه إلى القرار . ما نتوهمه يتحدد في الوهم فتكون علة المحدود محدودا . المحرك للفلك المخيل له الحافظ لاتصال حركاته هو المفارق الذي حدده فيه التوهم الأول الثابت الذي اهتاج عنه سائر التوهمات . ونحن إذا توهمنا شيئا انبعثنا لعمل شيء ، ثم إذا توهمنا آخر مما شئنا انبعثنا ثانيا لعمل شئ آخر ، ثم كذلك يستمر توهمنا فيستمر انبعاثنا فيكون التوهم الأول راسخا ثابتا فينا . الجسم الفلكي إذا كانت له مناسبة مع ما في حشوه تحرك نحوها وانبعث لها ولم يقف عندها ، بل طلب مناسبة أخرى وكانت المناسبة الأولى علة للثانية فلا يزال يطلب نسبة ويطلب وضعا ثانيا . اتصال الحركات المستديرة سببه الإرادات المتصلة ، ويكفى فيها محرك واحد على سبيل العشق ، وذلك المحرك هو طلب الكمال . وإذا كان الكمال لا يحصل للنفوس الفلكية موجودا فكل حد ينتهى إليه لا يقف عنده بل يطلب حدا آخر يقدره كمالا ، وكذلك إلى ما لا نهاية فتتصل الحركات . الوهم إذا لم يكن مؤثرا يكون سبيله سبيل المحاذيات : فإن المحاذيات في الفلك لا تقسم الفلك ولا تفرض فيه وضعا ، بل يكون الوهم أضعف من المحاذيات إذا لم يكن مؤثرا فيجب أن يكون الوهم مؤثرا حتى تتم الاستحالة . إن قائل قال : إن كل وضع في الفلك يعد الفلك لأن يطلب وضعا آخر . فنقول : هذا الوضع الآخر إما أن يكون بالقوة أو بالفعل ، والوضع بالقوة غير مطلوب والذي