أفلوطين
221
أفلوطين عند العرب ( أثولوجيا )
تطير به إلى حضرة القدس وعين الحياة ، وتصل إلى الجزيرة « 1 » التي وراء البحر المحيط التي فيها قوم لا يموتون ولا يعرفون الأحزان ولا تبلى ثيابهم ولا يتحسرون ولا يتنافسون ، وليس بينهم سوى الصفاء والنقاء ودوام السرور والغبطة والنعمة . ولما كانت أبدان الحيوان آلات لنفوسها اختلفت الأبدان في الكم والكيف والجوهر وآلات كل حيوان بحسب حاجته لأن كل نفس مصبوغة بصبغ واحد ومهيّأة بهيئة واحدة لا تتعدّاها ، ولها بدن بحسبها . وأما النفس الإنسانية فإنها فطرت صالحة لكل صناعة وفي قدرتها أن تستعمل كل آلة ، فلذلك جعلت ساذجة من كل هيئة لتكون قابلة لكل هيئة . وأعطيت « 2 » آلات ساذجة أيضا لتصلح أن تستعمل في كل صناعة . فإن الهواء النيّر لمّا أريد منه أن يقبل جميع الألوان جعل خاليا من كل لون ؛ وكذلك الرطوبة الجليدية لما أريد منها أن ترتسم جميع الأصباغ جعلت ساذجة من جميع الأصباغ . وكذلك حاسة الذوق والشم والمسّ والسمع : ألا ترى أن اللسان إذا حصلت فيه كيفية ما من مرارة أو حلاوة لم يدرك ما سوى ذلك من الطعوم وربما ذاق العسل مرا ؟ ! والنفس الإنسانية تدرك العالم الحسىّ وتتصرف فيه وتبرز منه بالصنائع المختلفة ما لا يسع الطبيعة أن تقوم به وتبرزه . ثم إنها تدرك العالم العقلىّ وتتصرّف فيه أنواعا أخرى من التضاد ، ولها أفعال جسمانية كثيرة وأفعال روحانية كثيرة : تجتمع الروحانية في ثلاثة أصناف : الصنف الأول تأليف الكلام من الحروف والدلالة بها على أصناف الموجودات والمتوهمات المبسوطات والمركبات ، ثم رقمها بالكتابة المخلدة التي يستدل بها البعيد في المكان والزمان . والثاني : تأليف المقدمات والحدود واستنتاج النتيجة . والثالث : وضع الناموس والسّنن واختيار [ 164 ] الأصلح وتمييز أصناف الخيرات من أصناف الشرور ، والدلالة على كيفية فعل هذه وتجنب هذه . وللنفس الإنسانية قدرة على أن تأخذ صور الكائنات مجردة من هيولاتها وتنزعها منها وتنصبغ بها فتصير روحانية أبدية بعد أن كانت جسمانية دائرة ولها أيضا قوة على إدراك الأمور العقلية التي هي في طبيعتها كذلك ، وأن تدرك
--> ( 1 ) هذه الجزيرة إشارة إلى أسطورة الأطلنطيد التي عرضها أفلاطون في مستهل « طيماوس » ، ثم يصل القول فيها في محاورة « أقريطياس » ( « طيماوس » ص 25 وما يليها ) . ( 2 ) ص : أعطى .