أفلوطين
217
أفلوطين عند العرب ( أثولوجيا )
العالم « 1 » الحسىّ كله مثال وأنموذج للعالم العقلي . وإذا كان هذا العالم حيّا ، فبالحري أن يكون ذلك العالم أشدّ حياة وأكثر فضيلة . والنفس تمنع ما هي من الفساد والاستحالة . ولهذا صار الحيوان والنبات لا يمكن أن يغتذى به ما دامت فيه حياة ، لأن النفس التي فيه تمنعه أن يحيله المغتذى إليه . فإذا فارقته النفس بالذبح وغيره قويت القوة الغاذية عليه فأحالته حينئذ إلى جوهر المغتذى . ولذلك من ابتلع حيوانا فإنه لا يغتذى به حتى يموت . العقل « 2 » إنما يتحرك في مضمار الحق ولا يخرج عن مضماره . والعقل - مع أنه مبسوط - هو موشّى غاية التوشية . ومع أنه ساكن ، هو متحرك دائم الحركة وحركته عقلية روحانية ولو سكن لما فعل ، ولا يمكن ألا يفعل . وفعله إنما هو حركة العقول . وثبات آنيته إنما هو بحركته . وجوهر العقل حافظ لجميع الجواهر التي تحته ، وهيئته حافظة لكل هيئة دونه . العالم كله في غاية التمام لا يمكن أن يزيد عليه أو ينقص منه ، لأن فاعله تامّ القدرة تامّ العلم تامّ الجود . ومن كان حكيما جوادا قادرا ، لا مانع له من إيجاد ما يوجد ، فليس ثمّ جهل يمنعه ؛ ولا إن علم فالعجز يمنعه ، ولا إن قدر فالبخل يمنعه . وإذا لم يكن مانع يعوقه فالعلم بكليته [ 161 ] بحيث لا يستغنى عن تصوره زيادة ولا نقصان . وقد أبدع كلّ غليظ بإزاء الحواس ، وكلّ لطيف بإزاء العقول ، والعقل في جميع حالته وليس في العالمين شئ دونه ، ولا يخضع لشئ إلا لمبدعه ؛ وكل الأشياء خاضعة له لاستيلائه عليها وحفظه لها ؛ وهو أخضع الأشياء لبارئه لأنه أعرف الأشياء به ، ولا يرى غير مبدعة . ولا يراه بنوع إحاطة ، بل بنوع معرفة بنفسه ومفرفة لحاجته إليه . ولما عقل نفسه عقل مبدعة من حيث هي لا من حيث هو . فلمعرفته بنفسه صار أخضع الخلائق لمبدعه . ومعرفته بنفسه أتمّ وأفضل من كل معرفة ، فلذلك كان خضوعه لمبدعه ومعرفته به أتمّ وأفضل من كل معرفة . فلذلك كان خضوعه - لمعرفته به - أتم وأكمل مما عداه . ولدوام إفاضة مبدعة عليه من جلالة ربوبيته يحب « 3 » الخضوع والإتقان الذي لو مال عنه لفسد العالمون « 4 » . فبمعرفة مبدعة يدوم خضوعه وبقاؤه وبقاء ما في العالمين .
--> ( 1 ) يناظر في الميمر الثامن ص 93 وما يليه . ( 2 ) يناظر ص 95 س 18 وما يليه . ( 3 ) ص : تحت . ( 4 ) ص : العالمين .