أفلوطين

215

أفلوطين عند العرب ( أثولوجيا )

والتفرقة بينه وبين الخير لاتصالها بهذا الجسد ، فحصل لها شرف العالمين وحصول الكمالين . وهي وإن كانت غريقة في بحر الهيولى ومغلوبة بسلطان الحسّ ومغلولة في سجن الطبيعة ، فإن نور العقل واصل إليها دائم الفيض عليها ، ليس منقطعا « 1 » عنها ، ولا مستورا منها ولا محجوبا ، لكنها هي التي ربما احتجبت عنه بقميص الهيولى . وأما اتصالها بالعالم العقلي فجوهرى لها ذاتيّ فيها ، لا ينفكّ عنها أبدا . لو أن الباري تعالى لم يبدع الأشياء وكان وحده فقط ، لخفيت الأشياء ولم يظهر حسنها وبهاؤها . ولو أن تلك الآنية « 2 » الواحدة وقفت في ذاتها وأمسكت فعلها وأخفت جوهرها لما كان شئ من سائر الآنيات : لا الباقية ، ولا المستحيلة الكائنة ؛ ولما كانت كثرة الأشياء المبدعة من الواحد على ما هي عليه الآن ، ولما كانت العلل تخرج معلولاتها ، ولا تسلك مسلك الكون والآنيات . وإذا لم تكن الأشياء الدائمة والأشياء الداثرة لم تكن علّته التي له حدّها الباري تعالى علة حقا ؛ ولو لم تكن عنه تعالى هذه الموجودات لكان حال النقص والعجز والبخل . فإن كانت بالقوة كان ناقصا ، وإن لم يكن قادرا عليها كان أيضا ناقصا . ولما كان هذا لازما لكل قوة شريفة ولطيفة كاملة : أن تفعل أفاعيلها وتؤثر فيما تحتها قابلا عنها منفردا متأثرا - أوجب أن يفيض عن المبدأ الأول العقل الأول ، وعن العقل الأول النفس الأولى ، وعنها الطبيعة ، ثم النفوس الإنسانية وغير الإنسانية ، ليظهر وشيء هذا العالم ، وتبرز محاسنه ، وكل فضيلة فيه ، فلا يبقى في الإمكان شئ إلا ويوجد الدائم منه والداثر . وليس شئ من الأشياء الشريفة أو الخسيسة بخارج من هذه القوة : فإن البزور حين تقع في الأرض الموافقة تبتدئ في الكون فتشق من موضع صغير خاص ، وتبرز زوائد طويلة وهابطة ، ولا تتزيّد حتى تصير منها شجرة عظيمة تولد المثل ، فلو بقيت الأشياء كامنة في النفس أو في العقل أو في ذات الباري سبحانه لكان النقص ولم يوجد التمام كالبزر قبل أن ينبت . العالم « 3 » الحسى إشارة إلى العالم العقلي وإلى ما فيه من الجواهر العقلية والأفعال

--> ( 1 ) ص : منقطع . . . مستور . . . محجوب . ( 2 ) ص : الأناة . ( 3 ) يناظر ص 87 س 8 وما يليه .