أفلوطين

212

أفلوطين عند العرب ( أثولوجيا )

كل فاعل فهو أفضل من المفعول ، لأنه غالب وذلك مغلوب ؛ وكل مثال فهو أفضل مما هو مثال له يستفاد منه . فالصورة الصناعية مستفادة من الصورة الكلية التي في نفس الصانع ، والصورة الطبيعية هي من صورة عقلية قبلها . فالصورة الأولى العقلية أفضل من الصورة الطبيعية ، والصورة الطبيعية أفضل من الصورة التي في علم الصانع ؛ وهذه التي في نفس الصانع هي أحسن وأكمل من الصورة المعمولة . فالصناعة تتشبه بالطبيعة ، والطبيعة تتشبه بالعقل . والصناعة إذا أرادت أن تمثل لم تلق بصرها على الأمثال فقط ويتشبه عملها به ، لكنها ترقى إلى الطبيعة فتأخذ منها المثال [ 157 ] فيكون عملها حينئذ أحسن وأتقن . وإذا كانت أعمال الطبيعة حسنة متقنة ، فبالحري أن تكون الطبيعة أكثر حسنا . وإنما خفى حسنها لأنا لم نعتد « 1 » أن ننظر باطن الشئ ، وإنما نعجب من ظاهره . ولو انغمسنا إلى باطنه لرأينا أصل الحسن وينبوعه ، ورفضنا الحسن الخارج وحقرناه في جنب الحسن الباطن . والدليل « 2 » على أن باطن الشئ أحسن من ظاهره : الحركة ، فإنها من باطن الشئ تبدأ ، وحيث الحركة فهناك الفعل الشريف ، وحيث فعل الطبيعة فهناك الحسن والجمال الحق ، فإن الناس يعجبون من أفعال الحلم والعلم والسخاء والعقل . ولولا القوى تصيّرهم على صور هذه في النفس لكان تعجبهم وأنفهم أشدّ . وقد ترى الرجل حليما ووقورا أو عالما كريما فيعجبك حسنه وإن كان وجهه قبيحا لأنك تنظر إلى صورته الباطنة فتعجب منها . فإن ألقيت بصرك على ظاهره دون باطنه لم يعجبك حينئذ ولم تره . والرجل الصالح إذا ألقى عن نفسه الأمور الدنية وزينها بالأعمال الرضيّة فاض النور الأول على نفسه من نوره فصارت حسنة بهية . فإذا رأت النفس حسنها وبهاءها علمت من أين ذلك الحسن ولم تحتج في معرفته إلى قياس ، كما لا يحتاج في معرفة الشمس إلى قياس . وحينئذ يحصل لها التذاذ بذاتها وعشق واستمتاع . والنفس « 3 » معبر بين الحسّ والعقل « 4 » : مرّة تلطّف الأشياء الحسّية حتى تصيرها كأنها عقلية فينالها العقل ، ومرة تجسّم الأشياء العقلية فينالها الحسّ .

--> ( 1 ) ص : نعتاد . ( 2 ) يناظر ص 60 س 15 وما يليه . ( 3 ) يناظر ص 67 س 19 - ص 68 س 1 . ( 4 ) ص : والفعل .