أفلوطين
190
أفلوطين عند العرب ( أثولوجيا )
وذلك أن الحسّ إنما هو من حيّز النفس . والنفس إذا كانت في المكان العقلي علمت الأشياء العقلية من غير أن تحتاج إلى شئ من الأجرام ؛ وإذا كانت في العالم الحسى احتاجت [ 94 ب ] في معرفة المحسوسات إلى الجسم . والنفس إذا اتحدت بالأشياء المحسوسة فإنما تنال معرفتها بالأشياء الشبيهة بها القوية على قبول الآثار المحسوسة ؛ فتحسّ النفس الأشياء المحسوسة وتعرفها بتوسّط . والبصر يدرك الألوان بمتوسط يقبل أثر اللون أولا ثم يؤدّيه إلى البصر ؛ وإلا لم يقو البصر على نيل اللون ، وذلك أن البصر ألطف من المحسوس ذي اللون كثيرا ، والهواء ألطف من اللون قليلا ، أعنى أن الهواء أغلظ من البصر قليلا وألطف من المحسوس . فلما كان الهواء متوسطا على هذه الجهة قبل أثر المحسوس فأدّاه إلى الحسّ ، لأن الشئ إنما يؤثر في الشئ الشبيه به الذي لم يباينه مباينة « 1 » بعيدة ، ولا يؤثر في الشئ الذي كان مباينا . فالهواء إذن يقبل أثر لون [ 95 ا ] الجرم فيؤديه إلى البصر . فإذا أدّاه إليه تشبّه به البصر أيضا وصار مثله « 2 » يحسّ إحساسا صحيحا . فإن قال قائل : فإن المبصر يحتاج إلى شئ متوسّط يكون بينه وبين المبصر إليه وإلا لم يبصره ، لأن المحسوس لا يصل إلى الحسّ إلا أن يسلك في الهواء فيغيره ثم يصل بذلك التغيير إلى البصر - قلنا : فلسنا نرى كل سالك في الهواء يغيّر الهواء ، لكنه ربما فرج « 3 » الهواء فقط من غير أن يغيره كالحجر : فإنه إذا سقط من فوق وسلك في الهواء فإنما يفرج الهواء فقط ولا يغيره . فإن قال قائل : إن الحجر إذا سقط من العلو وانفرج له الهواء فإنما ذلك الانفراج أثر من الآثار لأن الحجر يدفع الهواء دفعا قويا ، والهواء يندفع ، والاندفاع أثر ، فالهواء ، إذن يتأثر من الحجر . وكذلك النار : إذا سلكت من الثقل إلى فوق فإنما تدفع الهواء فينفرج لها ، إلا أن انفراج الهواء من النار [ 95 ب ] أسرع من انفراجه من الحجر . قلنا : إن سلوك النار إلى فوق وسلوك الحجر إلى أسفل إنما يكون بانفراج الهواء ، وذلك أن الحجر يشق الهواء ويمر فيه سفلا وكذلك « 4 » النار تشق الهواء وتمر
--> ( 1 ) ص : يناينه مناينة ( ! ) - وقد أصلحه روزنتال هكذا : لم ينائه منائية بعيدة ( ! ) ( 2 ) يصححه روزنتال بإضافة واو العطف : ويحس - ولا داعى لذلك . ( 3 ) فرج الشئ : فتحه . ( 4 ) ص : فكذلك .