أفلوطين
182
أفلوطين عند العرب ( أثولوجيا )
يزداد منه بعدا . وذلك أن ما ينفلت من صفته أكثر مما ينال منه . فإذا أردت أن تبصر الباري تعالى ، فألق بصرك عليه إلقاء كليا لا إلقاء متجزّئا . وقل إنه الخير . فإنه علّة للحياة الزكية العقلية الجليلة . وذلك أنه ينبوع الحياة والعقل والجوهر والهوية بأنه « 1 » واحد فقط وهو بسيط البسيطات ، وأول الأوائل ، لأنه بدء الأشياء كلها ، وهو الذي ابتدعها . والحركة الأولى منه لا فيه ، والسكون منه ، وهو لا يحتاج إلى السكون . - فإن كان الباري تعالى على ما وصفنا فلا تطلبنّ الباري بعين « 2 » دائرة . فإنما الشئ الأول فإنه بدء الكون ، وهو أعلى وأشرف من الجوهر ، لأنه مبدع الجوهر . فإن كان هذا على ما وصفنا قلنا : إنه ليست الأشياء كلها واقعة تحت الحس ؛ وذلك أن هاهنا شيئا لا يقع تحت الحس البتة . فإنه إن لم يكن على ما قلنا أحلت « 3 » [ أجلت ] من الإله تبارك وتعالى فيعرض له حينئذ ما يعرض للناس الحنين في الأعياد « 4 » فإنهم يتهيّمون من الطعام والشراب ، فإذا رأوا أحدا يدخل في هياكلهم دعوه فقالوا : هلمّ وتنعَّم وعبّد لهذه الآلهة فتروقه « 5 » الأصنام ، فينكر الإله الذي لا يرى ، ويصدق بالصنم الذي يرى . وإنما فعلوا ذلك لأنهم قالوا : ما لا يقع تحت الأعيان فليس بشيء ؛ وإنما الشئ الحق : الواقع تحت الأعيان . ويشبه من انتحل « 6 » هذا القول من أصحاب الحس الذين قد غلب عليهم النوم جلّ دهرهم فيصدقون بما رأوا قريبا من الرؤيا « 7 » ويظنون أنها هي الأشياء الحق . وهذا الشوق ، أعنى الشوق الحسى ، إنما هو شوق ثان لا الشوق الأول ، لأنه لا يراه المشتاق إلا بحس المعاينة . فلذلك صار شوقا ثانيا . فأما الشوق الأول الذي لا يقع تحت الحس فهو أعلى وأشرف وأقدم من كل شوق ؛ وهو الخير الذي لا يجده « 8 » السبيل إلى الصعود وإلى شئ آخر هو أعلى منه ، فيشتاق إليه . فلذلك كل من نال هذا الخير الأول المحض اكتفى به ووقف ولم يطالب شيئا آخر ، من ورائه [ 15 ] ، لأنه قد سلك إلى أفق الأشياء وغاية الغايات . لأن الباري عز وجل يوصف بالحسن « 9 » . والخير أقدم من الحسن ، لا بالزمان ، لكنه أقدم منه بالصدق والحق . ففي الخير كل قوة ، وقوة
--> ( 1 ) أي بوصفه واحدا فقط . ( 2 ) أي بنظر الفانين . ( 3 ) أي قلت محالا في حق الإله . و [ أحلت ] في ص بالجيم وهو تحريف وتكرار . ( 4 ) ص : الحنين في الأعيا . ( 5 ) ص : فيروكهم ( ! ) . ( 6 ) ص : القحل . ( 7 ) ص : الربا . ( 8 ) أجد الطريق : صار جددا أي مستويا غليظا . يعنى أنه لا يتهيأ له سبيل مستو بدعوه إلى طلب شئ أعلى ، بل هذا الخير هو غاية كل طريق ولا سبيل بعده لطالب . ( 9 ) أي بوصفه واحدا فقط .