أفلوطين

171

أفلوطين عند العرب ( أثولوجيا )

هل يمكن الشئ المركب أن يعلم ذاته ؟ ولا يمكن أن يعلم الشئ [ 5 ] المركب ذاته . ولا محالة إذا أن الشئ المبسوط هو الذي يعلم ذاته وغيره . ( و ) الحسّ ، و ( إن ) علم ما هو خارج عنه ، لا « 1 » يقوى أن يعلم ما العقل . وكذلك الوهم والفكر يعلمان ما هو خارج عنهما ، ولا يعلمان ما العقل . فأما العقل ، فإنه يعلم الحسّ والوهم والفكر ، ويصفها صفة متقنة . وأما الأشياء العقلية فلا يشك أحد أن العقل يعلمها علما صحيحا متقنا . إن جزء النفس الحسى إنما يعلم ما هو خارج منه فقط . وأما جزء النفس الفكري فإنه يعلم ما ينال من الوهم مما أدّاه الحس إليه ، ثم يختار تلك الأشياء ، فإما أن يجمعها ، وإما أن يفرقها . وجزء النفس الفكري يعلم أيضا ما يؤدى إليه العقل . الحسّ فينا بمنزلة الخادم ، والعقل فينا بمنزلة الملك . وقد يمكن أن نكون نحن ملوكا أيضا إذا قبلنا شرائع العقل وسرنا بسيره . لا يقدر الحسّ أن ينال ما في العقل لبعده منه ، وكذلك العقل لا ينال ما في الحسّ إلا بالنفس . فأما الفكر فيرى العالم : يرى أنه يكتفى به ، وأنه من قوى النفس ، وأنه يفكر في الأشياء الخارجة عنه ، وأنه مميز الأشياء يختار به ما يختار ، وأنه إنما يستعمل قوانين العقل إذا أراد الحق المحض . إن فوق الفكر شيئا آخر أعلى وأشرف منه ، وهو العقل الذي يعلم ذاته ، ولا يحتاج إلى علم ما هو خارج منه . ونقول : إن في العقل الشئ الناظر والأشياء المنظور إليها هي واحدة . فإن قال قائل : إنه إن كان العقل والمعقولات شيئا واحدا ، فكيف يعقل العاقل ذاته ؟ فنقول : إنه إن كان العقل والمعقول شيئا واحدا ، فإن الفاعل والمفعول شئ واحد « 2 » أيضا ، وذلك أن المعقول هو فعل العاقل ، وليس هو بقوة له ، لأن ذلك العاقل ليس هو لعدم عقل ولا لعدم حياة ، ولا حياة مستعادة ، ولا شئ آخر غيره ، كحجر أو شئ ميت ، لكن معقوله هو الجوهر الأول ، والجوهر الأول هو المعقول الأول . فإن كان معقوله فعلا وهو العقل الأول ، كان عقله فاضلا أيضا لا محالة ، وكان عقلا جوهريا ، وهذا هو المعقول الأول . والعقل الأول هو الكائن بالفعل ، لأنه ليس هو العقل بالقوة ، بل هو بالفعل ، فمعقوله بالفعل أيضا .

--> ( 1 ) ص : ولا . ( 2 ) ص : شيئا واحدا .