أبو نصر الفارابي
100
فصول منتزعة
التي حالها الحال التي وصفت « 1 » إلى أكمل منازل الصحّة وأعلى درجاتها . وإنّما عليه أن يبلغ بها من الصحّة إلى أكثر ما يمكن في طبعها وجوهرها وبحسب أفعال النفس . فإنّ البدن « 2 » من أجل النفس والنفس « 3 » من أجل الكمال الأخير وهو السعادة ، وفي « 4 » الفضيلة فالنفس من أجل الحكمة والفضيلة « 5 » . / [ 97 ] فصل . لأبي نصر وجد معلّقا بخط الخطّابيّ على ظهر كتاب . قال : لا يكاد يوجد إنسان مفطورا من أوّل أمره على الكمال حتى لا يوجد فيه تفاوت أصلا وأن تكون سائر أفعاله وسيرته وأخلاقه تجري على العدل والإنصاف من غير ميل إلى أحد الأطراف أو غلبة من بعض الأضداد على بعض . وذلك لأنّ الفطرة مصنوعة من متضادّات قسرها التأليف على الاجتماع ولو خلّيت وسوّيت طبائعها لم يقع منها ائتلاف البتة لبعد ما بينها من المشاكلة وتفاوت ما يشتمل عليها من المباينة ، ومع اجتماعها قسرا فلا تؤمن منافرة يسيرة أو كثيرة يكون من أجلها عدم الاعتدال في الخلفة . وكلّ فطرة قلّت المنافرة في عناصرها كانت إلى الاعتدال أقرب وكلّما كثرت المنافرة كانت من الاعتدال أبعد حتى يجري الخلق على نسب متساوية من التنافر والاعتدال يتنافر الطباع واعتدالها . [ 98 ] فصل . ومن كلام أبي نصر رضي اللّه عنه : تنزل انسانين أحدهما قد علم ما في كتب « 6 » ارسطوطاليس كلّها من الطبيعيّة والمنطقيّة والالهيّة والمدنيّة والتعاليم وكانت أفعالها كلّها أو جلّها مخالفة لما هو جميل في بادي الرأي المشترك عند الجميع . والآخر كانت أفعاله كلّها موافقة لما هو جميل في بادي الرأي المشترك للجميع وإن لم يكن عالما بالعلوم التي علمها الأوّل ، فإنّ هذا الثاني أقرب إلى أن يكون فيلسوفا من الأوّل الذي أفعاله كلّها مخالفة « 7 » لما هو جميل في بادي الرأي المشترك عند الجميع / وكان أقدر على أن يحوز ما قد حازه الأوّل من الأوّل على أن يحوز ما قد حازه الثاني . والفلسفة في بادي الرأي في الحقيقة هي أن يحصل للانسان العلوم النظريّة وأن تكون أفعاله كلّها موافقة لما هو جميل في بادي الرأي المشترك وفي الحقيقة . والذي يقتصر على العلوم النظرية دون أن تكون أفعاله كلّها موافقة لما هو جميل في بادي الرأي المشترك تصدّه عادته المتمكّنة فيه عن
--> ( 1 ) . وصفنا ت . ( 2 ) . - د . ( 3 ) . - د . ( 4 ) . د ( في - في الهامش ) ؛ وهي ت . ( 5 ) . إلى هنا ينتهي مخطوط ديار بكر والفصول التالية هي في مخطوط تشاستربيتي فقط ( 28 و - 29 ظ ) ، ونرجّح أنّها ليست من النسخة الأصلية . ولذلك سنوردها في الهامش وليس كجزء من النصّ . ( 6 ) . كتاب - في الأصل . ( 7 ) . موافقة - في الأصل ( مخالفة فوقها ) .