ابن رشد
99
تهافت التهافت
الطبيعي هو ضروري في جوهره وليس ضروريا في جوهر المريد ، ولكنه من تتمته . وأيضا فإن الفعل الطبيعي ليس يكون عن علم ، واللّه تعالى قد تبرهن أن فعله صادر عن علم . فالجهة التي بها صار اللّه فاعلا مريدا ليس بينا في هذا الموضع ، إذ كان لا نظير لإرادته في الشاهد . فكيف يقال : أنه لا يفهم من الفاعل إلا ما يفعل عن روية واختيار ويجعل هذا الحد له مطردا في الشاهد والغائب ، والفلاسفة لا يعترفون باطراد هذا الحد فيلزمهم إذا نفوا هذا الحد من الفاعل الأول أن ينفوا عنه الفعل ، هذا بيّن بنفسه وقائل هذا هو الملبس لا الفلاسفة فإن الملبس هو الذي يقصد التغليط لا الحق ، وإذا أخطأ في الحق فليس يقال فيه أنه ملبس ، والفلاسفة معلوم من أمرهم أنهم يطلبون الحق فهم غير ملبسين أصلا ولا فرق بين من يقول أن اللّه مريد بإرادة لا تشبه إرادة البشر وبين من يقول أنه عالم بعلم لا يشبه علم البشر وأنه كما لا تدرك كيفية علمه ، كذلك لا تدرك كيفية إرادته . قال أبو حامد : ولنحقق كل واحد من هذه الوجود الثلاثة مع خيالهم في دفعه . الوجه الأوّل فنقول : الفاعل عبارة عمّن يصدر منه الفعل مع الإرادة للفعل على سبيل الاختيار ومع العلم بالمراد ، وعندكم أن العالم من اللّه تعالى كالمعلول من العلة يلزم لزوما ضروريا لا يتصور من اللّه دفعه لزوم الظل من الشخص والنور من الشمس ، إلى قوله : فإن كل ذلك صادر منه وهذا محال . قلت : حاصل هذا القول أمران اثنان : أحدهما : أنه لا يعد في الأسباب الفاعلة إلا من فعل بروية واختيار ، فإن فعل الفاعل بالطبع لغيره لا يعد في الأسباب الفاعلة ، والثاني : أن الجهة التي بها يرون أن العالم صادر عن اللّه هي مثل لزوم الظل للشخص والضياء للشمس والهوى إلى أسفل للحجر ، وهذا ليس يسمى فعلا لأن الفعل غير منفصل من الفاعل . قلت : وهذا كله كذب . وذلك أن الفلاسفة يرون أن الأسباب أربعة الفاعل والمادة والصورة والغاية ، وأن الفاعل هو الذي يخرج غيره من القوة إلى الفعل ومن العدم إلى الوجود ، وأن هذا الإخراج ربما كان عن روية واختيار ، وربما كان بالطبع وأنهم ليس يسمون الشخص بفعله لظله فاعلا إلا مجازا ، لأنه غير منفصل عنه ، والفاعل ينفصل عن المفعول باتفاق ، وهم يعتقدون أن الباري سبحانه منفصل عن