ابن رشد
89
تهافت التهافت
لا سماء ، ولا أرضا ، ولا ماء ، ولا هواء ، ولا نارا ، وذلك كله مستحيل ، وأما قوله : إنه لم تذبل ، فهو قول مشهور وهو دون الأوائل اليقينية ، وقد قيل من أي جنس هي هذه المقدمات في كتاب البرهان . قال أبو حامد : الثاني : إنه لو سلم له هذا وإنه لا فساد إلا بالذبول فمن أين عرف أنه ليس يعتريه الذبول وأما التفاته إلى الأرصاد فمحال لأنها لا تعرف مقاديرها إلا بالتقريب والشمس التي يقال أنها كالأرض مائة وسبعين مرة أو ما يقرب منه لو نقص منها مقدار جبال مثلا لكان لا يبين للحس ، فلعلها في الذبول وإلى الآن قد نقص مقدار جبال أو أكثر والحس لا يقدر على أن يدرك ذلك لأن تقديره في علم المناظر لم يعرف إلا بالتقريب ، وهذا كما أن الياقوت والذهب مركبان من العناصر عندهم وهي قابلة للفساد ثم لو وضع ياقوتة مائة سنة لم يكن نقصانها محسوسا فلعل نسبة ما ينقص من الشمس في مدة تاريخ الأرصاد كنسبة ما ينقص من الياقوت في مائة سنة وذلك لا يظهر للحس فدل أن دليله في غاية الفساد . وقد أعرضنا عن إيراد أدلة كثيرة من هذا الجنس يستركّها العقلاء وأوردنا هذا الواحد ليكون عبرة ومثالا لما تركناه واقتصرنا على الأدلة الأربعة التي يحتاج إلى تكلف في حل شبهها كما سبق . قلت : لو كانت الشمس تذبل ، وكان ما يتحلل منها في مدة الإرصاد غير محسوس لعظم جرمها ، لكان ما يحدث من ذبولها فيما هاهنا من الأجرام له قدر محسوس . وذلك أن ذبول كل ذابل إنما يكون بفساد أجزاء منه تتحلل ولا بد في تلك الأجسام المتحللة من الذابل أن تبقى بأسرها في العالم ، أو تتحلل إلى أجزاء أخر وأي ذلك كان يوجب في العالم تغيرا بينا ، إما في عدد أجزائه ، وإما في كيفيتها ولو تغيرت كميات الأجرام لتغيرت أفعالها وانفعالاتها ولو تغيرت أفعالها وانفعالاتها وبخاصة الكواكب لتغير ما هاهنا من العالم فتوهم أن الاضمحلال على الأجرام السماوية مخل بالنظام الإلهي الذي هاهنا عند الفلاسفة ، وهذا القول لا يبلغ مرتبة البرهان . الدليل الثاني لهم في استحالة عدم العالم أن قالوا : العالم لا تنعدم جواهره لأنه لا يعقل سبب لذلك ، وما لم يكن منعدما ثم انعدم فلا بدّ أن يكون لسبب وذلك السبب لا يخلو إما أن يكون إرادة القديم وهو محال ، لأنه إذا لم يكن مريدا لعدمه ثم صار مريدا فقد تغير أو يؤدي إلى أن يكون القديم وإرادته على نعت واحد في جميع الأحوال والمراد يتغير من العدم إلى الوجود ثم من الوجود إلى العدم ، وما ذكرناه من استحالة وجود حادث بإرادة قديمة يدل على استحالة العدم .