ابن رشد

78

تهافت التهافت

والإمكان ، فلا بدّ إذا ضرورة من شيء يتصف بالتكون والتغير والانتقال من العدم إلى الوجود كالحال في انتقال الأضداد بعضها إلى بعض ؛ أعني أنه يجب أن يكون لها موضوع تتعاقب عليه ، إلا أنه في التغير الذي في سائر الأعراض بالفعل ، وهو في الجوهر بالقوة . ولسنا نقدر أيضا أن نجعل هذا الموصوف بالإمكان والتغير الشيء الذي بالفعل ؛ أعني الذي منه الكون من جهة ما هو بالفعل لأن ذلك أيضا يذهب ، والذي منه الكون يجب أن يكون جزءا من المتكون ، فإذا هاهنا موضوع ضرورة هو القابل للإمكان وهو الحامل للتغير والتكون ، وهو الذي يقال فيه أنه تكوّن وتغيّر وانتقل من العدم إلى الوجود . ولسنا نقدر أيضا أن نجعل هذا من طبيعة الشيء الخارج إلى الفعل ؛ أعني من طبيعة الموجود بالفعل لأنه لو كان ذلك كذلك لم يتكون الموجود ، وذلك أن التكوّن هو من معدوم لا من موجود . فهذه الطبيعة اتفق الفلاسفة والمعتزلة على إثباتها ، إلا أن الفلاسفة ترى أنها لا تتعرى من الصورة الموجودة بالفعل ؛ أعني لا تتعرى من الوجود ، وإنما تنتقل من وجود إلى وجود كانتقال النطفة مثلا إلى الدم وانتقال الدم إلى الأعضاء التي للجنين وذلك أنها لو تعرت من الوجود لكانت موجودة بذاتها ، ولو كانت موجودة بذاتها لما كان منها كون ، فهذه الطبيعة عندهم هي التي يسمونها بالهيولى وهي علة الكون والفساد ، وكل موجود يتعرى من هذه الطبيعة فهو عندهم غير كائن ولا فاسد . قال أبو حامد : والثالث أن نفوس الآدميين عندهم جواهر قائمة بأنفسها ليس بجسم ومادة ولا منطبع في مادة وهي حادثة على ما اختاره ابن سينا والمحققون منهم ولها إمكان قبل حدوثها وليس لها ذات ولا مادة فإمكانها وصف إضافي ولا يرجع إلى قدرة القادر وإلى الفاعل فإلى ما ذا يرجع ؟ فينقلب عليهم هذا الإشكال . قلت : لا أعلم أحدا من الحكماء قال أن النفس حادثة حدوثا حقيقيا ثم قال أنها باقية إلا ما حكاه عن ابن سينا ، وإنما الجميع على أن حدوثها هو إضافي ، وهو اتصالها بالإمكانات الجسمية القابلة لذلك الاتصال ، كالإمكانات التي في المرايا لاتصال شعاع الشمس بها ، وهذا الإمكان عندهم ليس هو من طبيعة إمكان الصور الحادثة الفاسدة ، بل هو إمكان على نحو ما يزعمون أن البرهان أدى إليه ، وأن الحامل لهذا الإمكان طبيعة غير طبيعة الهيولي ، ولا يقف على مذهبهم في هذه الأشياء إلا من نظر في كتبهم على الشروط التي وضعوها مع فطرة فائقة ومعلم عارف . فتعرض أبي حامد إلى مثل هذه الأشياء هذا النحو