ابن رشد

76

تهافت التهافت

الممكن إذا حصل بالفعل ارتفع الإمكان فلم يبق إلا أن يكون الحامل للإمكان هو الشيء القابل للممكن وهو المادة . والمادة لا تتكون بما هي مادة لأنها كانت تحتاج إلى مادة ويمر الأمر إلى غير نهاية ، بل إن كانت مادة متكونة فمن جهة ما هي مركبة من مادة وصورة ، وكل متكون فإنما يتكون من شيء ما ، فإما أن يمر ذلك إلى غير نهاية على استقامة في مادة غير متناهية وذلك مستحيل ، وأن قدرنا محركا أزليا لأنه لا يوجد شيء بالفعل غير متناه ، وإما أن تكون الصور تتعاقب على موضوع غير كائن ولا فاسد ويكون تعاقبها أزليا ودورا . فإن كان ذلك كذلك وجب أن يكون هاهنا حركة أزلية تفيد هذا التعاقب الذي في الكائنات الفاسدات الأزلية ، وذلك أنه يظهر أن كون كل واحد من المتكونات هو فساد للآخر وفساده هو كون لغيره وألا يتكون شيء من غير شيء ، فإن معنى التكون هو انقلاب الشيء وتغيره مما بالقوة إلى الفعل ، ولذلك فليس يمكن أن يكون عدم الشيء هو الذي يتحول وجودا ، ولا هو الشيء الذي يوصف بالكون ؛ أعني الذي نقول فيه أنه يتكون ، فبقي أن يكون هاهنا شيء حامل للصور المتضادة وهي التي تتعاقب الصور عليها . قال أبو حامد : الاعتراض أن يقال : الإمكان الذي ذكروه يرجع إلى قضاء العقل ، فكل ما قدر العقل وجوده فلم يمتنع عليه تقديره سمّيناه ممكنا ، وإن امتنع سميناه مستحيلا ، وإن لم يقدر على تقدير عدمه سميناه واجبا فهذه قضايا عقلية لا تحتاج إلى موجود حتى تجعل وصفا له . بدليل ثلاثة أمور : أحدها : أن الإمكان لو استدعى شيئا موجودا يضاف إليه ويقال أنه إمكانه لاستدعى الامتناع شيئا موجودا يقال أنه امتناعه ، وليس للممتنع وجود في ذاته ولا مادة يطري عليها المحال حتى يضاف الامتناع إلى المادة . قلت : أما أن الإمكان يستدعي مادة موجودة فذلك بيّن فإن سائر المعقولات الصادقة لا بد أن تستدعي أمرا موجودا خارج النفس ، إذ كان الصادق كما قيل في حده : إنه الذي يوجد في النفس على ما هو عليه خارج النفس . فلا بدّ في قولنا في الشيء : إنه ممكن أن يستدعي هذا الفهم شيئا يوجد فيه هذا الإمكان . وأما الاستدلال على أنه لا يستدعي معقول الإمكان موجودا يستند إليه بدليل أن الممتنع لا يستدعي موجودا يستند إليه ، فقول سفسطائي . وتلك أن الممتنع يستدعي موضوعا مثل ما يستدعي الإمكان ، وذلك بيّن لأن الممتنع هو مقابل الممكن والأضداد المتقابلة تقتضي ولا بد موضوعا ، فإن