ابن رشد

74

تهافت التهافت

به من طرفيه يلزم ضرورة أن يكون فعله لا يحيط به الزمان ولا يساوقه زمان محدود ، وذلك أن كل موجود فلا يتراخى فعله عن وجوده إلا أن يكون ينقصه من وجوده شيء أعني أن لا يكون على وجوده الكامل أو يكون من ذوي الاختيار فيتراخى فعله عن وجوده عن اختياره ومن يضع أن القديم لا يصدر عنه إلا فعل حادث فقد وضع أن فعله بجهة ما مضطر وأنه لا اختيار له من تلك الجهة في فعله . الدليل الثالث على قدم العالم قال أبو حامد : تمسكوا بأن قالوا وجود العالم ممكن قبل وجوده ، إذ يستحيل أن يكون ممتنعا ثم يصير ممكنا ، وهذا الإمكان لا أول له أي لم يزل ثابتا ولم يزل العالم ممكنا وجوده ، إذ لا حال من الأحوال يمكن أن يوصف العالم فيه بأنه ممتنع الوجود ، فإذا كان الإمكان لم يزل فالممكن على وفق الإمكان أيضا لم يزل ، فإن معنى قولنا أنه ممكن وجوده أنه ليس محالا وجوده فإذا كان ممكنا وجوده أبدا لم يكن محالا وجوده أبدا وإلا فإن كان محالا وجوده أبدا بطل قولنا أنه ممكن وجوده أبدا وإن بطل قولنا : إنه ممكن وجوده أبدا بطل قولنا أن الإمكان لم يزل ، وإن بطل قولنا الإمكان لم يزل صح قولنا : إن الإمكان له أول وإذا صح أن له أولا كان قبل ذلك غير ممكن فيؤدي إلى إثبات حال لم يكن العالم ممكنا ولا كان اللّه عليه قادرا . قلت : أما من يسلم أن العالم كان قبل أن يوجد ممكنا إمكانا لم يزل ، فإنه يلزمه أن يكون العالم أزليا ، لأن ما لم يزل ممكنا إن وضع أنه لم يزل موجودا لم يكن يلزم عن إنزاله محال ، وما كان ممكنا أن يكون أزليا فواجب أن يكون أزليا لأن الذي يمكن فيه أن يقبل الأزلية لا يمكن فيه أن يكون فاسدا إلا لو أمكن أن يعود الفاسد أزليا ، ولذلك ما يقول الحكيم ، إن الإمكان في الأمور الأزلية هو ضروري . قال أبو حامد : الاعتراض أن يقال العالم لم يزل ممكن الحدوث فلا جرم ما من وقت إلا ويتصور أحداثه فيه وإذا قدر موجودا أبدا لم يكن حادثا فلم يكن الواقع على وفق الإمكان بل على خلافه وهذا كقولهم في المكان وهو أن تقدير العالم أكبر مما هو أو خلق جسم فوق العالم ممكن وكذا آخر فوق ذلك الآخر وهكذا إلى غير نهاية ولا نهاية لإمكان الزيادة ومع ذلك فوجود ملاء مطلق لا غاية له غير ممكن وكذلك وجود لا ينتهي طرفه غير ممكن بل كما يقال إن الممكن جسم متناهي السطح ولكن لا تتعين مقاديره في الكبر والصغر فكذلك الممكن الحدوث ومبادئ الوجود لا تتعين في التقدم والتأخر وأصل كونه حادثا متعين فإنه الممكن لا غير .