ابن رشد
67
تهافت التهافت
لا إضافة هنالك ، وإنما هو عقلي . ومعنى هذا أن الفوق المتوهم للشيء ، يمكن أن يتوهم سفلا لذلك الشيء ، والسفل يمكن أن يتوهم فوقا . وليس العدم الذي قبل الحادث وهو المسمى قبلا ، يمكن أن يتوهم العدم الذي بعد الحادث المسمى بعدا . فإن الشك بعد هذا باق عليهم لأن الفلاسفة يرون أن هاهنا فوقا بالطبع ، وهو الذي يتحرك إليه الخفيف ، وأسفل بالطبع وهو الذي يتحرك إليه الثقيل . وإلا كان الثقيل والخفيف بالإضافة والوضع . وترى أن نهاية الجسم الذي هو فوق بالطبع ، يعرض له في التخيل انتهاء ، إما إلى خلاء أو ملاء . فهذا الدليل إنما انكسر في حق الفلاسفة من وجهين ؛ أحدهما : أنهم يضعون فوقا بإطلاق ، وأسفل بإطلاق . ولا يضعون أولا بإطلاق ولا آخرا بإطلاق . والثاني : أن لخصومهم ( الأشاعرة ) أن يقولوا : إنه ليس العلة في تخيل أن الفوق فوقا ، ومرور ذلك إلى غير نهاية ، كونه مضافا ، بل إنما عرض ذلك للتخيل من قبل أنه لم يشاهد عظما إلا متصلا بعظم كما لم يشاهد شيئا محدثا ، إلا له قبل . ولذلك انتقل أبو حامد من لفظ « الفوق » و « الأسفل » إلى الوراء ، والخارج ، فقال مجيبا للفلاسفة : قلنا لا فرق ؛ فإنه لا غرض في تعيين لفظ الفوق والتحت بل نعدل إلى لفظ « الوراء » و « الخارج » ونقول : للعالم داخل وخارج إلى قوله : فهذا هو سبب الغلط . فانكسر بهذه النقلة ما عاند ( الغزالي ) به الفلاسفة من تشبيه النهاية في الزمان ، بالنهاية في العظم . وأما نحن فقد بينا وجه الغلط في ذلك التشبيه بما فيه مقنع . وبينا أنها معاندة سفسطائية ، فلا معنى لإعادة القول في ذلك . قال أبو حامد : صيغة ثانية لهم في إلزام قدم العالم . قالوا : لا شك عندكم في أن اللّه تعالى كان قادرا على أن يخلق العالم قبل أن خلقه بقدر سنة أو مائة سنة أو ألف سنة ، أو ما لا نهاية له . وأن هذه التقديرات متفاوتة في المقدار والكمية ، فلا بدّ من إثبات شيء قبل وجود العالم ممتد مقدر بعضه أمد وأطول من البعض . فلا بدّ من إثبات شيء من قبل وجود العالم . إلى قوله : فإذن قبل العالم عندكم شيء ذو كمية متفاوتة ، وهو الزمان . فقبل العالم عندكم زمان . قلت : حاصل هذا القول أنه متى توهمنا حركة وجدنا معها امتدادا