ابن رشد
65
تهافت التهافت
كما قيل في هذا القول ، ولا « الآن » يشبه « النقطة » ، ولا « الكم ذي الوضع » يشبه « الذي لا وضع له » . فالذي يجوّز وجود آن ليس بحاضر ، أو حاضر ليس قبله ماض فهو يرفع الزمان والآن بوضعه آنا بهذه الصفة . ثم يضع زمانا ليس له مبدأ . فهذا الوضع يبطل نفسه ، ولذلك ليس يصح أن ينسب وجود القبلية ، في كل حادث إلى الوهم ، لأن الذي يرفع القبلية يرفع المحدث . والذي يرفع أن يكون للفوق فوق بعكس هذا لأنه يرفع الفوق المطلق . وإذا ارتفع الفوق المطلق ، ارتفع الأسفل المطلق ؛ وإذا ارتفع هذان ارتفع الثقيل والخفيف . وليس فعل الوهم ، في الجسم المستقيم الأبعاد ، أنه يجب أن ينتهي إلى جسم غيره ، باطلا ، بل هو واجب ؛ فإن المستقيم الأبعاد يمكن فيه الزيادة . وما يمكن فيه الزيادة فليس له حد بالطبع . ولذلك وجب أن تنتهي الأجسام المستقيمة إلى محيط جسم كري إذ كان هو التام الذي لا يمكن فيه زيادة ولا نقصان . ولذلك متى طلب الذهن أن يتوهم في الجسم الكري أنه يجب أن ينتهي إلى شيء غيره ، فقد توهم باطلا . وهذه كلها أمور ليست محصلة عند المتكلمين ، ولا عند من لم يشرع في النظر على الترتيب الصناعي . وأيضا ليس يتبع الزمان الحركة ، على نحو ما تتبع النهاية العظم ؛ لأن النهاية تتبع العظم من قبل أنها موجودة فيه ، كما يوجد العرض في موضوعه المتشخص بشخصه ، والمشار إليه بالإشارة إلى موضعه ، وكونه موجودا في المكان الذي فيه موضوعه . وليس الأمر كذلك في لزوم الزمان والحركة . بل لزوم الزمان عن الحركة أشبه شيء بلزوم العدد عن المعدود . أعني أنه كما لا يتعين العدد بتعين المعدود ، ولا يتكثر بتكثره ، كذلك الأمر في الزمان مع الحركات . ولذلك كان الزمان واحدا لكل حركة ومتحرك وموجودا في كل مكان . حتى لو توهمنا قوما حبسوا منذ الصبا في مغارة من الأرض ، لكنا نقطع أن هؤلاء يدركون الزمان ، وإن لم يدركوا شيئا من الحركات المحسوسة التي في العالم . ولذلك ما يرى أرسطو أن وجود الحركات في الزمان هي أشبه شيء بوجود المعدودات في العدد . وذلك أن العدد لا يتكثر بتكثر المعدودات ، ولا يتعين له موضع بتعين