ابن رشد

326

تهافت التهافت

أنه كان في بني إسرائيل حكماء كثيرون وذلك ظاهر من الكتب التي تلفى عند بني إسرائيل المنسوبة إلى سليمان عليه السلام ولم تزل الحكمة أمرا موجودا في أهل الوحي وهم الأنبياء عليهم السلام ، ولذلك أصدق كل قضية هي أن : كل نبي حكيم وليس كل حكيم نبي ولكنهم العلماء الذين قيل فيهم : إنهم ورثة الأنبياء . وإذا كانت الصنائع البرهانية في مبادئها المصادرات والأصول الموضوعة ، فكم بالحري يجب أن يكون ذلك في الشرائع المأخوذة من الوحي والعقل . وكل شريعة كانت بالوحي ، فالعقل يخالطها . ومن سلم أنه يمكن أن تكون هاهنا شريعة بالعقل فقط ، فإنه يلزم ضرورة أن تكون أنقص من الشرائع التي استنبطت بالعقل والوحي . والجميع متفقون على أن مبادئ العمل يجب أن تؤخذ تقليدا ، إذ كان لا سبيل إلى البرهان على وجوب العمل إلا بوجود الفضائل الحاصلة عن الأعمال الخلقية والعملية . فقد تبين من هذا القول أن الحكماء بأجمعهم يرون في الشرائع هذا الرأي ؛ أعني أن يتقلد من الأنبياء والواضعين مبادئ العمل والسنن المشروعة في ملة ملة . والممدوح عندهم من هذه المبادي الضرورية هو ما كان منها أحث للجمهور على الأعمال الفاضلة حتى يكون الناشئون عليها أتم فضيلة من الناشئين على غيرها ، مثل كون الصلوات عندنا ، فإنه لا يشك في أن الصلوات تنهي عن الفحشاء والمنكر كما قال تعالى . وإن الصلاة الموضوعة في هذه الشريعة يوجد فيها الفعل أتم منه في سائر الصلوات الموضوعة في سائر الشرائع . وذلك بما شرط في عددها وأوقاتها وأذكارها وسائر ما شرط فيها من الطهارة ومن التروك ؛ أعني ترك الأفعال والأقوال المفسدة لها . وكذلك الأمر فيما قيل في المعاد منها هو أحث على الأعمال الفاضلة مما قيل في غيرها ، ولذلك كان تمثيل المعاد لهم بالأمور الجسمانية أفضل من تمثيله بالأمور الروحانية كما قال سبحانه : مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وقال النبي عليه السلام فيها : « ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر بخاطر بشر » . وقال ابن عباس : « ليس في الآخرة من الدنيا إلا الأسماء » . فدل على أن ذلك الوجود نشأة أخرى أعلى من هذا الوجود ، وطور آخر أفضل من هذا الطور . وليس ينبغي أن ينكر ذلك من يعتقد أنا ندرك الموجود الواحد ينتقل من طور إلى طور ، مثل انتقال الصور الجمادية إلى أن