ابن رشد

325

تهافت التهافت

ويرون بالجملة أن الشرائع هي الصنائع الضرورية المدنية التي تأخذ مبادئها من العقل والشرع ، ولا سيما ما كان منها عاما لجميع الشرائع ، وإن اختلفت في ذلك بالأقل والأكثر . ويرون مع هذا أنه لا ينبغي أن يتعرض بقول مثبت أو مبطل في مبادئها العامة ، مثل : هل يجب أن يعبد اللّه ؟ أو لا يعبد ؟ وأكثر من ذلك : هل هو موجود ؟ أم ليس بموجود ؟ وكذلك يرون في سائر مبادئه مثل القول في وجود السعادة الأخيرة وفي كيفيتها لأن الشرائع كلها اتفقت على وجود أخروي بعد الموت وإن اختلفت في صفة ذلك الوجود كما اتفقت على معرفة وجوده وصفاته وأفعاله ، وإن اختلفت فيما تقوله في ذات المبدأ وأفعاله بالأقل والأكثر . وكذلك هي متفقة في الأفعال التي توصل إلى السعادة التي في الدار الآخرة ، وإن اختلفت في تقدير هذه الأفعال . فهي بالجملة لما كانت تنحو نحو الحكمة بطريق مشترك للجميع كانت واجبة عندهم لأن الفلسفة إنما تنحو نحو تعريف سعادة بعض الناس العقلية ، وهو من شأنه أن يتعلم الحكمة والشرائع تقصد تعليم الجمهور عامة . ومع هذا فلا نجد شريعة من الشرائع إلا وقد نبهت بما يخص الحكماء وعنيت بما يشترك فيه الجمهور . ولما كان الصنف الخاص من الناس إنما يتم وجوده وتحصيل سعادته بمشاركة الصنف العام ، كان التعليم العام ضروريا في وجود الصنف الخاص وفي حياته . إما في وقت صباه ومنشئه فلا يشك أحد في ذلك ، وإما عند نقلته إلى ما يخصه فمن ضرورة فضيلته ألا يستهين بما نشأ عليه ، وأن يتأول لذلك أحسن تأويل . وأن يعلم أن المقصود بذلك التعليم هو ما يعم ، لا ما يخص ، وإنه إن صرح بشك في المبادي الشرعية التي نشأ عليها أو بتأويل أنه مناقض للأنبياء صلوات اللّه عليهم وصاد عن سبيلهم ، فإنه أحق الناس بأن ينطلق عليه اسم الكفر ، ويوجب له في الملة التي نشأ عليها عقوبة الكفر . ويجب عليه مع ذلك أن يختار أفضلها في زمانه وإن كانت كلها عنده حقا وأن يعتقد أن الأفضل ينسخ بما هو أفضل منه . ولذلك أسلم الحكماء الذين كانوا يعلمون الناس بالإسكندرية لما وصلتهم شريعة الإسلام ، وتنصر الحكماء الذين كانوا ببلاد الروم لما وصلتهم شريعة عيسى عليه السلام ، ولا يشك أحد