ابن رشد
322
تهافت التهافت
تفيض من الأجرام السماوية ، وهي الحرارة التي ليست هي نارا ولا فيها مبدأ نار بل فيها النفوس المخلقة للأجسام التي هاهنا ، وللنفوس التي تحل في تلك الأجسام . فإنه لا يختلف أحد من الفلاسفة أن في الاسطقسات حرارة سماوية وهي حاملة للقوى المكونة للحيوان والنبات . لكن بعضهم يسمي هذه قوة طبيعية سماوية وجالينوس يسميها القوة المصورة ويسميها أحيانا الخالق ويقول : إنه يظهر أن هاهنا صانعا للحيوان حكيما مخلقا له ، وأن هذا يظهر من التشريح . فأما أين هو هذا الصانع ؟ وما جوهره ؟ فهو أجل من أن يعلمه الإنسان . ومن هنا يستدل أفلاطون على أن النفس مفارقة للبدن لأنها هي المخلقة له والمصورة . ولو كان البدن شرطا في وجودها لم تخلقه ولا صورته . وهذا النفس أظهر ما هي ؛ أعني المخلقة في الحيوان الغير متناسل ، ثم بعد ذلك في المتناسل . فإنا كما نعلم أن النفس هي معنى زائد على الحرارة الغريزية إذ كانت الحرارة بما هي حرارة ليس من شأنها أن تفعل الأفعال المنتظمة المعقولة . كذلك نعلم أن الحرارة التي في الزور ليس فيها كفاية في التخليق والتصوير . فلا خلاف عندهم في أن في الاسطقسات نفوسا مخلقة لنوع نوع من الأنواع الموجودة من الحيوان والنبات والمعادن ، وكل محتاج في كونه وبقائه إلى تدبير وقوى حافظة له . وهذه النفوس إما أن تكون كالمتوسطة بين نفوس الأجرام السماوية وبين النفوس التي هاهنا في الأجسام المحسوسة ، ويكون لها ولا بد على النفوس التي هاهنا والأبدان تسليط ومن هاهنا نشأ القول بالجن . أو تكون هي بذواتها هي التي تتعلق بالأبدان التي تكونها للشبه الذي بينها . وإذا فسدت الأبدان عادت إلى مادتها الروحانية وأجسامها اللطيفة التي لا تحس . وما من أحد من الفلاسفة القدماء إلا وهو معترف بهذه النفوس . وإنما يختلفون هل هي التي في الأجسام ، أو جنس آخر غيرها . وأما الذين قالوا بواهب الصور ، فإنهم جعلوا هذه القوى عقلا مفارقا وليس يوجد ذلك لأحد من القدماء إلا لبعض فلاسفة الإسلام لأن من أصولهم أن المفارقات لا تغير المواد تغير استحالة بذواتها ، وأولا إذ المحيل هو ضد المستحيل . وهذه المسألة هي من أعوص المسائل التي في الفلسفة . ومن أقوى ما يستشهد به في هذا الباب أن العقل الهيولاني يعقل أشياء لا نهاية لها في