ابن رشد
321
تهافت التهافت
المسألة الثالثة ( من الطبيعيات ) ( المسألة التاسعة عشر ) استحالة الفناء على النفوس وكذلك قال أبو حامد بعد هذا : إن للفلاسفة على أن النفس يستحيل عليها العدم بعد الوجود دليلين : أحدهما : أن النفس إن عدمت لم يخل عدمها من ثلاثة أحوال : إما أن تعدم مع عدم البدن ، وإما أن تعدم من قبل ضد موجود لها ، أو تعدم بقدرة القادر . وباطل أن تعدم بعدم البدن ، فإنها مفارقة للبدن ، وباطل أن يكون لها ضد فان الجوهر المفارق ليس له ضد ، وباطل أن تتعلق قدرة القادر بالعدم على ما سلف . واعترضهم هو بأنا لا نسلم أنها مفارقة للبدن وأيضا فإن المختار عند ابن سينا أن تكون النفوس متعددة بتعدد الأبدان لأن كون النفس واحدة بالعدد من كل وجه في جميع الأشخاص تلحقه محالات كثيرة منها أن يكون إذا علم زيد شيئا يعلمه عمرو ، وإذا جهله عمرو جهله زيد إلى غير ذلك من المحالات التي تلزم هذا الوضع . فهو يرد على هذا القول : بأنها إذا أنزلت متعددة بتعدد الأجسام لزم أن تكون مرتبطة بها فتفسد ضرورة بفساد الأجسام . وللفلاسفة أن يقولوا : إنه ليس يلزم إذا كان شيئا بينهما نسبة علاقة ومحبة مثل النسبة التي بين العاشق والمعشوق ، ومثل النسبة التي بين الحديد وحجر المغناطيس أن يكون إذا فسد أحدهما فسد الآخر ، ولكن للمنازع أن يسألهم عن المعنى الذي به تشخصت النفوس وتكثرت كثرة عددية ، وهي مفارقة للمواد فإن الكثرة العددية الشخصية إنما أتت من قبل المادة . لكن لمن يدعي بقاء النفس وتعددها أن يقول : إنها في مادة لطيفة وهي الحرارة النفسانية التي