ابن رشد

320

تهافت التهافت

ووضع مخصوص والإنسان المعقول المطلق مجرد عن هذه الأمور بل يدخل فيه كل ما يطلق عليه اسم الإنسان ، وإن لم يكن على لون المشاهد وقدره ووضعه ومكانه بل الذي يمكن وجوده في المستقبل يدخل فيه بل لو عدم الإنسان يبقى حقيقة الإنسان في العقل مجردا عن هذه الخواص وهكذا كل شيء شاهده الحس مشخصا فيحصل منه للعقل حقيقة ذلك الشخص كليا مجردا عن المواد والأوضاع حتى تنقسم أوصافه إلى ما هو ذاتي كالجسمية للشجر والحيوان إلى آخر الفصل . قلت : معنى ما حكاه عن الفلاسفة من هذا الدليل هو أن العقل يدرك من الأشخاص المتفقة في النوع معنى واحدا تشترك فيه وهي ماهية ذلك النوع من غير أن ينقسم ذلك المعنى بما تنقسم به الأشخاص من حيث هي أشخاص من المكان والوضع والمواد التي من قبلها تكترث ، فيجب أن يكون هذا المعنى غير كائن ولا فاسد ولا ذاهب بذهاب شخص من الأشخاص التي يوجد فيها هذا المعنى ولذلك كانت العلوم أزلية وغير كائنة ولا فاسدة إلا بالعرض أي من قبل اتصالها بزيد وعمرو ، أي أنها فاسدة من قبل الاتصال لا أنها فاسدة في نفسها ، إذ لو كانت كائنة فاسدة لكان هذا الاتصال موجودا في جوهرها ولكانت لا تجتمع في شيء واحد قالوا : وإذا تقرر هذا من أمر العقل وكان في النفس وجب أن تكون النفس غير منقسمة بانقسام الأشخاص ، وأن تكون أيضا معنى واحدا في زيد وعمرو . وهذا الدليل في العقل قوي لأن العقل ليس فيه من معنى الشخصية شيء وأما النفس فإنها وإن كانت مجردة من الأعراض التي تعددت بها الأشخاص فإن المشاهير من الحكماء يقولون : ليس تخرج من طبيعة الشخص وإن كانت مدركة والنظر هو في هذا الموضع . وأما الاعتراض الذي اعترض عليهم أبو حامد فهو راجع إلى أن العقل هو معنى شخصي والكلية عارضة له ولذلك يشبه نظره إلى المعنى المشترك في الأشخاص بنظر الحس الواحد مرارا كثيرة فإنه واحد عنده لا إنه معنى كلي فالحيوانية مثلا في زيد في بعينها بالعدد التي أبصرها في خالد وهذا كذب . فإنه لو كان هذا هكذا لما كان بين إدراك الحس وإدراك العقل فرق . ولم ننقل كلامه إلى هاهنا لما فيه من التطويل .