ابن رشد

319

تهافت التهافت

أقدم . فهذه الأسباب إن خاض الخائض فيها ولم يرد هذه الأمور إلى مجاري العادات فلا يمكن أن يبني عليها علم موثوق به لأن جهات الاحتمال فيما تزيد بها القوى أو تضعف لا تنحصر فلا يورث شيء من ذلك يقينا . قلت : أما إذا وضع أن القوى المدركة موضوعها هو الحار الغريزي ، وكان الحار الغريزي يدركه النقص بعد الأربعين ، فقد ينبغي أن يكون العقل في ذلك كسائر القوى ؛ أعني أنه يلزم إن كان موضوعه الحار الغريزي أن يشيخ بشيخوخته . وأما إن توهم أن الموضوعات مختلفة للعقل والحواس فليس يلزم أن تستوي أعمارها . دليل تاسع قال أبو حامد : قالوا : كيف يكون الإنسان عبارة عن الجسم مع عوارضه وهذه الأجسام لا تزال تنحل والغذاء يسد مسد ما ينحل حتى إذا رأينا صبيا انفصل من الجنين فيمرض مرارا ويذبل ثم يسمن وينمو فيمكننا أن نقول : لم يبق فيه بعد الأربعين شيء من الأجزاء التي كانت موجودة عند الانفصال بل كان أول وجوده من أجزاء المني فقط ولم يبق فيه شيء من أجزاء المني بل انحل كل ذلك وتبدل بغيره فيكون هذا الجسم غير ذلك الجسم . ونقول : هذا الإنسان هو ذلك الإنسان بعينه وحتى أنه يبقى معه علوم من أول صباه ويكون قد تبدل جميع أجسامه . فدل أن للنفس وجودا سوى البدن وأن البدن آلته . الاعتراض : أن هذا ينتفض بالبهيمة والشجرة إذا قيست حالة كبرها بحالة الصغر فإنه يقال أن هذا ذلك بعينه كما يقال في الإنسان وليس يدل ذلك على أن له وجودا غير الجسم . وما ذكر في العلم يبطل بحفظ الصور المتخيلة فإنه يبقى في الصبي إلى الكبر ، وإن تبدل أجزاء الدماغ . قلت : هذا دليل لم يستعمله أحد من القدماء في بقاء النفس . وإنما استعملوه في أن في الأشخاص جوهرا باقيا من الولادة إلى الموت وأن للأشياء ليست في سيلان دائم كما اعتقد ذلك كثير من القدماء فنفوا المعرفة الضرورية حتى اضطرا أفلاطون إلى إدخال الصور . فلا معنى للتشاغل بذلك واعتراض أبي حامد على هذا الدليل صحيح . دليل عاشر قال أبو حامد : قالوا : القوة العقلية تدرك الكليات العامة العقلية التي يسميها المتكلمون أحوالا فتدرك الإنسان المطلق عند مشاهدة الحس لشخص إنسان معين وهو غير الشخص المشاهد فإن المشاهد في مكان مخصوص ولون مخصوص ومقدار مخصوص