ابن رشد

316

تهافت التهافت

والنفس الذي ذكروه لا يناسب البيت والثوب ، فإثباته لأصل الجسم ملازم له وغفلته عن شكله واسمه كغفلته عن محل الشم وأنهما زائدتان في مقدم الدماغ شبيهتان بحلمتي الثدي ، فإن كل إنسان يعلم أنه يدرك الرائحة بجسمه ولكن محل الإدراك لا يتشكل له ولا يتعين وإن كان يدرك أنه إلى الرأس أقرب منه إلى العقب ، ومن جملة الرأس إلى داخل الأنف أقرب منه إلى داخل الأذن ، فكذلك يشعر الإنسان بنفسه ويعلم أن هويته التي بها قوامه إلى قلبه وصدره أقرب منه إلى رجله فإنه يقدّر نفسه باقيا مع عدم الرجل ولا يقدر على تقدير نفسه باقيا مع عدم القلب فما ذكروه من أنه يغفل عن الجسم تارة وتارة لا يغفل عنه ليس كذلك . قلت : أما اعتراضه على أن ما هو جسم ، أو قوة في جسم ، فليس يعقل ذاته بدليل أن الحواس هي قوى مدركة في أجسام وهي لا تعقل ذاتها ، فإن هذا من باب الاستقراء الذي لا يفيد اليقين . وتشبيهه بالاستقراء المستعمل في أن كل حيوان يحرك فكه الأسفل فليس هو لعمري مثله من جهة ، وهو مثله من جهة . أما مخالفته له فإن الواضع بالاستقراء أن كل حيوان يحرك فكه الأسفل فهذا استقراء ناقص من قبل أنه لم يستقرئ فيه جميع أنواع الحيوانات ، وأما الواضع أن كل حاسة فهي لا تدرك ذاتها فهو لعمري استقراء مستوفي إذ كان ليس هاهنا حاسة سوى الحواس الخمس . وأما الحكم من قبل ما يشاهد من أمر الحواس أن كل قوة مدركة ليست في جسم فهو شبيه بالاستقراء الذي يحكم من قبله أن كل حيوان فهو يحرك فكه الأسفل لأن الواضع لهذا كما أنه لم يستقرئ جميع الحيوانات . كذلك الواضع أن كل قوة مدركة فليست في الجسم من قبل أن الأمر في الحواس كذلك لم يستقرئ جميع القوى المدركة . وأما ما حكى عنهم من أن العقل لو كان في جسم لأدرك الجسم الذي هو فيه عند إدراكه فكلام غث ركيك ، وليس من أقاويل الفلاسفة . وذلك أنه إنما كان يلزم هذا لو كان كل من أدرك وجود شيء أدركه بحده وليس الأمر كذلك لأنا ندرك النفس وأشياء كثيرة وليس ندرك حدها ، ولو كنا ندرك حد النفس مع وجودها لكنا ضرورة نعلم من وجودها أنها في جسم أو ليست في جسم ، لأنها إن كانت في جسم كان الجسم ضرورة مأخوذا في حدها وإن لم تكن في جسم لم يكن الجسم مأخوذا في حدها . فهذا هو الذي ينبغي أن يعتقد في هذا . وأما معاندة أبي حامد هذا القول بأن الإنسان يشعر من أمر النفس أنها في جسمه وإن كان لا يتميز له العضو الذي هي فيه من الجسم فهو لعمري حق وقد