ابن رشد
313
تهافت التهافت
الإضافات المتناقضة بالنسبة إليه . وهذا لا يدل على كون النفس غير منطبعة في الجسم كما في البهائم . قلت : هذا الذي حكاه عن الفلاسفة هاهنا ليس يلزم عنه إلا أن العلم ليس يحل الجسم حلول اللون فيه وبالجملة سائر الأعراض . لا أنه ليس يحل جسما أصلا وذلك أن امتناع محل العلم من أن يقبل الجهل بالشيء والعلم به يدل ضرورة على اتحاده فإن الأضداد لا تحل في محل واحد . وهذا النوع من الامتناع يوجد لسوى الصفات التي هي إدراكات وغير إدراكات . والذي يخص محل العلم من القبول أنه يدرك المتضادات معا ؛ أعني الشيء وضده وذلك لا يمكن أن يكون إلا بإدراك غير منقسم في محل غير منقسم . فإن الحاكم هو واحد ضرورة ولذلك قيل : إن العلم بالأضداد علم واحد فهذا النحو من القبول هو الذي يخص النفس ضرورة لكن قد تبين عندهم أن هذه هي حال الحس المشترك الحاكم على الحواس الخمس وهو عندهم جسماني . فلذلك ليس في هذا دليل على أن العقل ليس يحل جسما لأنا قد قلنا : إن الحلول يكون على نوعين : حلول صفات غير مدركة ، وحلول صفات مدركة . والذي عارضهم به في هذا القول صحيح ، وهو أن النفس النزوعية لا تنزع إلى المتضادات معا وهي مع هذا جسمانية . ولست أعلم أحدا من الفلاسفة احتج بهذا في إثبات بقاء النفس إلا من لا يؤبه بقوله ، وذلك أن خاصة كل قوة مدركة ألا يجتمع في إدراكها النقيضان ، كما أن خاصة المتضادين خارج النفس ألا يجتمعان في موضوع واحد . فهذا تشترك فيه القوى المدركة مع القوى الغير مدركة ، ويخص القوى المدركة أنها تحكم على الأضداد الموجودة معا ، أي يعلم أحدهما بعلم الثاني ، ويخص القوى الغير نفسانية أنها تنقسم بانقسام الجسم ، فيوجد في الأجزاء المختلفة من الجسم الواحد الأضداد معا لا في جزء واحد . والنفس لما كانت محلا لا ينقسم هذا الانقسام ، لم يعرض لها أن يوجد فيها النقيضان معا في جزءين من المحل . ولذلك كانت هذه الأقاويل كلها أقاويل من لم يحصل آراء القوم في هذه الأشياء . فما أبعد فهم من يجعل الدليل على بقاء النفس أنها لا تحكم على المتناقضات معا لأنه إنما ينتج من ذلك أن محلها واحد غير منقسم . وأما الدليل على أن المحل الغير منقسم انقسام محل الأعراض أنه غير منقسم أصلا .