ابن رشد

312

تهافت التهافت

الإنسان : إنه عالم ، كقولنا فيه : إنه يبصر ، وذلك أنه لما كان بينا بنفسه أنه يبصر بعضو مخصوص ، كأنا بينا أنا إذا نسبنا إليه الأبصار مطلقا أنه يجوز على عادة العرب وغيرها من الأمم في ذلك . وأما إذا لم يكن للعقل عضو يخصه فبيّن أن قولنا فيه عالم ليس هو من قبل أن جزءا منه عالم لكن كيف ما كان الأمر في ذلك هو غير معلوم بنفسه ، وذلك أنه ليس يظهر أن هاهنا عضوا خاصا به ولا موضعا خاصا من عضو من الأعضاء ، كالحال في قوة التخيل والفكر والذكر ، وذلك أن مواضع هذه معلومة من الدماغ . دليل رابع قال أبو حامد : إن كان العلم يحل جزءا من القلب أو الدماغ مثلا فالجهل ضده فينبغي أن يجوز قيامه بجزء آخر من القلب أو الدماغ ويكون الإنسان في حالة واحدة عالما وجاهلا بشيء واحد فلما استحال ذلك تبين أن محل الجهل هو محل العلم وإن ذلك المحل واحد يستحيل اجتماع الضدين فيه فإنه لو كان منقسما لما استحال قيام الجهل ببعضه والعلم ببعضه لأن الشيء في محل لا يضاده ضده في محل آخر كما تجتمع البلقة في الفرس الواحد والسواد والبياض في العين الواحدة ولكن في محلين . ولا يلزم هذا في الحواس ، فإنه لا ضد لإدراكها ولكنه قد يدرك وقد لا يدرك فليس بينهما إلا تقابل الوجود والعدم ، فلا جرم نقول يدرك ببعض أجزائه كالعين والأذن ولا يدرك بسائر بدنه وليس فيه تناقض . ولا يغني عن هذا قولكم أن العالمية مضادة للجاهلية والحكم عام لجميع البدن ، إذ يستحيل أن يكون الحكم في غير محل العلة فالعالم هو المحل الذي قام العلم به فإن أطلق الاسم على الجملة فبالمجاز كما يقال : هو في بغداذ وإن كان في بعضها وكما يقال مبصر وإن كنا بالضرورة نعلم أن حكم الأبصار لا يثبت للرجل واليد بل يختص بالعين وتضاد الأحكام كتضاد العلل ، فإن الأحكام تقتصر على محل العلل . ولا يخلص من هذا قول القائل أن المحل المهيأ لقبول العلم والجهل من الإنسان واحد فيتضادان عليه فإن عندكم أن كل جسم فيه حيوة فهو قابل للعلم والجهل من الإنسان واحد فيتضادان عليه فإن عندكم أن كل جسم فيه حيوة فهو قابل للعلم والجهل ، ولم يشترطوا سوى الحياة شريطة أخرى وسائر أجزاء البدن عندهم في قبول العلم على وتيرة واحدة . الاعتراض : ان هذا ينقلب عليكم في الشهوة والشوق والإرادة فإن هذه الأمور تثبت للبهائم والإنسان وهي معان تنطبع في الجسم ثم يستحيل أن ينفر عما يشتاق إليه فيجتمع فيه النفرة والميل إلى شيء واحد بوجود الشوق في محل والنفرة في محل آخر . وذلك لا يدل على أنها لا تحل الأجسام وذلك لأن هذه القوى وإن كانت كثيرة ومتوزعة على آلات مختلفة فلها رابطة واحدة وهي النفس وذلك للبهيمة والإنسان جميعا . وإذا اتحدت الرابطة استحالت