ابن رشد
310
تهافت التهافت
المحسوسات المنطبعة في الحواس الخمس لا تكون إلا أمثلة لصور جزئية منقسمة ، فإن الإدراك معناه حصول مثال المدرك في نفس المدرك فيكون لكل جزء من مثال المحسوس نسبة إلى جزء من الآلة الجسمانية . والاعتراض : على هذا ما سبق ، فإن تبديل لفظ الانطباع بلفظ النسبة لا يدرأ الشبهة فيما ينطبع في القوة الوهمية للشاة من عداوة الذئب كما ذكروه فإنه إدراك لا محالة وله نسبة إليه . ويلزم في تلك النسبة ما ذكرتموه فإن العداوة ليس أمرا مقدرا له كمية مقدارية حتى ينطبع مثالها في جسم مقدر . وتنتسب أجزاؤها إلى أجزائه ، وكون شكل الذئب مقدرا لا يغني فإن الشاة أدركت شيئا سوى شكله وهي المخالفة والمضادة والعداوة وهذه العداوة الزائدة على الشكل من العداوة ليس لها مقدرا ، وقد أدركته بجسم مقدر فهذا ضرورة مشكك في هذا البرهان كما في الأول . فإن قال قائل : هلا دفعتم هذه البراهين بأن العلم يحل من الجسم في جوهر متحيز لا يتجزئ وهو الجزء الفرد . قلنا : لأن الكلام في الجوهر الفرد يتعلق بأمور هندسية يطول القول في حلها . ثم ليس فيه ما يدفع الأشكال ، فإنه يلزم أن تكون القدرة والإرادة أيضا في ذلك الجزء ، فإن للإنسان فعلا ولا يتصور ذلك إلا بقدرة وإرادة ، ولا يتصور الإرادة إلا بعلم وقدرة الكتابة في اليد والأصابع والعلم بها ليس في اليد ، إذ لا يزول بقطع اليد ولا إرادتها في اليد فإنه قد يريدها بعد شلل اليد وتتعذر لا لعدم الإرادة بل لعدم القدرة . قلت : كأن هذا القول ليس بيانا منفردا بنفسه وإنما هو تتميم القول المتقدم . وذلك أن القول المتقدم وضع فيه أن العلم ليس ينقسم بانقسام محله وضعا . وفي هذا القول تكلف بيانه باستعمال التقسيم فيه إلى الأنحاء الثلاثة . فالمعاندة الأولى هي باقية عليه وإنما دخلت عليه المعاندة لأنه لم يستوف المعنيين اللذين يقال عليهما الانقسام الهيولاني . وذلك أنهم لما نفوا عن العقل انقسامه بانقسام محله على النحو الذي تنقسم الأعراض بانقسام محلها ، وكان هنا نوع آخر من الانقسام الجسماني وهو الموجود في القوى الجسمية المدركة ، دخلت عليهم المعاندة من قبل هذه القوى . وإنما يتم البرهان إذا انتفى هذان النوعان من الانقسام عن العقل وبيّن أن كل ما له قوام بالجسم فلا بدّ له من أحد هذين النوعين من الانقسام . وقد يشك فيما وجد في الجسم بهذا النوع الآخر من الوجود ؛ أعني الذي ليس ينقسم بانقسام موضوعه في الحد هل هو مفارق لموضوعه ؟ أم لا ؟ فإنا نرى أكثر أجزاء الموضوع تبطل ولا يبطل هذا النوع من الوجود ؛ أعني الإدراك الشخصي فيظن كما أنه لا تبطل الصورة ببطلان الجزء أو