ابن رشد

309

تهافت التهافت

منقسم فبطل أن يحل في جسم أصلا فلما أبطل أبو حامد أحد القسمين قال : لا يبعد أن تكون نسبة العقل إلى الجسم نسبة أخرى وهو بيّن أنه إن نسب إلى الجسم فليس هاهنا إلا نسبتان : أما نسبته إليه إلى محل منقسم ، أو محل غير منقسم . والذي يتم به هذا البرهان أن العقل ليس له ارتباط بقوة من قوى النفس ارتباط الصورة بالمحل . فإنه إذا انتفى عنه أنه مرتبط بالجسم فلا بدّ أن ينتفي عنه أنه ليس مرتبطا بقوة من قوى النفس المرتبطة بالجسم . ولو كان مرتبطا بقوة من قوى النفس كما يقول أرسطو ، لم يكن له فعل إلا بتلك القوة ، ولو كان ذلك كذلك لم تدركه تلك القوة . هذا هو الذي يعتمده أرسطو في بيان أن العقل مفارق . فلنذكر أيضا العناد الثاني الذي أتى به في الدليل الثاني الذي استدل به الفلاسفة بعد أن تعرف أن أدلتهم إذا نقلت من الصناعة التي تخصها صارت أعلى مراتبها من جنس الأقاويل الجدلية ، ولذلك كان كتابنا هذا الغرض منه إنما هو التوقيف على مقدار الأقاويل المكتوبة فيه المنسوبة للفريقين ، وإظهار أي القولين أحق بأن ينسب صاحبه إلى التهافت والتناقض . دليل ثان قال أبو حامد : قالوا إن كان العلم بالمعلوم الواحد العقلي وهو المعلوم المجرد عن المواد منطبعا في المادة انطباع الأعراض في الجواهر الجسمانية لزم انقسامه بالضرورة بانقسام الجسم كما سبق وإن لم يكن منطبعا فيه ولا منبسطا عليه واستكره لفظ الانطباع فنعدل إلى عبارة أخرى ونقول : هل للعلم نسبة إلى العالم أم لا ومحال قطع النسبة فإنه إن انقطعت النسبة عنه فكونه عالما به لم صار أولى من كون غيره به عالما . وإن كان له نسبة فلا يخلو من ثلاثة أقسام : أما أن تكون النسبة لكل جزء من أجزاء المحل أو تكون لبعض أجزاء المحل دون البعض أو لا يكون لواحد من الأجزاء نسبة إليه . وباطل أن يقال لا نسبة لواحد من الأجزاء فإنه إذا لم يكن للآحاد نسبة لم يكن للمجموع نسبة فإن المجتمع من المباينات مباين . وباطل أن يقال : النسبة للبعض فإن الذي لا نسبة له ليس هو في معناه في شيء وليس كلامنا فيه . وباطل أن يقال لكل جزء مفروض نسبة إلى الذات لأنه إن كانت النسبة إلى ذات العلم بأسره فمعلوم كل واحد من الأجزاء ليس هو جزء المعلوم بل هو المعلوم كما هو فيكون معقولا مرات لا نهاية لها بالفعل ، وإن كان كل جزء له نسبة أخرى غير النسبية التي للجزء الآخر إلى ذات العلم فذات العلم إذا منقسمة في المعنى ، وقد بينا أن العلم بالمعلوم الواحد من كل وجه لا ينقسم في المعنى ، وإن كان نسبة كل واحد إلى شيء من ذات العلم غير ما إليه نسبة الآخر فانقسام ذات العلم بهذا أظهر وهو محال . ومن هذا يتبين أن