ابن رشد

308

تهافت التهافت

والمعنى الثاني أن تكون الصفة متعلقة بجسم دون شكل مخصوص وهذه هي أيضا منقسمة بانقسام الجسم لا على أن مقدار حد الكل منها والجزء حد واحد بعينه مثل قوة الأبصار الموجودة في البصر بل بمعنى أنها تقبل الأقل والأكثر من قبل قبول موضوعها الأقل والأكثر . ولذلك كانت قوة الأبصار في الأصحاء أقوى منها في المرضى وفي الشباب أقوى منها في الهرم . والتي تعم هاتين القوتين أنهما شخصيتان ؛ أعني التي تنقسم بالكمية ولا تنقسم بالماهية ؛ أعني أنها أما أن تبقى واحدة بالحد والماهية أو تبطل والتي تنقسم إلى جزء بالكمية وهي واحدة بالحد والماهية ولا تنقسم إلى أي جزء اتفق وهذه كأنها إنما تخالف الأول في الأقل والأكثر ، وأن الجزء الذاهب منه ليس فعله فعل الباقي فإن فعل الذاهب من البصر الضعيف ليس يفعل فعل البصر الضعيف ويجتمعان بأن اللون أيضا ليس ينقسم بانقسام موضوعه إلى أي جزء اتفق وحده باق بعينه بل تنتهي القسمة إلى جزء أن انقسم إليه فسد اللون وإنما الذي يحفظ القسمة دائما هو طبيعة المتصل بما هو متصل ؛ أعني صورة الاتصال . فهذه المقدمة إذا وضعت هكذا كانت بيّنة بنفسها ؛ أعني أن كل ما يقبل القسمة بهذين النوعين من القسمة فمحله جسم من الأجسام وعكسه أيضا بيّن وهو أن كل ما هو في جسم فهو يقبل الانقسام بأحد هذين النوعين من الانقسام وإذا صح هذا فعكس نقيضه صادق إن كنت تعرف ما هو عكس النقيض وهو أن ما لا يقبل الانقسام بأحد هذين الوجهين فليس يحل في جسم وإذا أضيف إلى هذا ما هو بين أيضا من أمر المعقولات الكلية وهو أنها ليست تقبل الانقسام بواحد من هذين الوجهين إذ كانت ليست صورا شخصية فبين أنه يلزم عنه أن المعقولات ليس محلها جسما من الأجسام ولا القوة عليها قوة في جسم فلزم أن يكون محلها قوة روحانية تدرك ذاتها وغيرها . وأما أبو حامد فلما أخذ النوع الواحد من نوعي الانقسام ونفاه عن المعقولات الكلية عاند بالقسم الثاني الموجود في قوة البصر وقوة التخيل فاستعمل في ذلك قولا سفسطانيا ، وعلم النفس أغمض وأشرف من أن يدرك بصناعة الجدل . ومع هذا فإنه لم يأت ببرهان ابن سينا على وجهه وذلك أن الرجل إنما بنى برهانه على أن قال أن المعقولات إن كانت حالة في جسم فلا يخلو أن تحل منه في شيء غير منقسم أو في منقسم ثم أبطل أن تحل في شيء غير منقسم من الجسم فلما أبطل هذا نفى أن يكون العقل إن كان يحل في جسم أن يحل منه في شيء غير منقسم ثم أبطل أن يحل من الجسم في شيء