ابن رشد
307
تهافت التهافت
فإن قيل : الشاة لا تدرك العداوة المطلقة المجردة عن المادة بل تحرك عداوة الذئب المعين المشخص مقرونا بشخصه وهيكله . والقوة العاقلة تدرك الحقائق مجردة عن المواد والأشخاص . قلنا : الشاة قد أدركت لون الذئب وشكله ثم عداوته فإن كان اللون ينطبع في القوة الباصرة وكذا الشكل وينقسم بانقسام محل البصر فالعداوة بما ذا تدركها فإن أدرك بجسم فلينقسم وليت شعري ما حال ذلك الإدراك إذا قسم وكيف يكون بعضه أهو إدراك لبعض العداوة فكيف يكون لها بعض أو كل قسم إدراك لكل العداوة فتكون العداوة معلومة مرارا بثبوت إدراكها في كل قسم من أقسام المحل : فإذا هذه شبهة مشكلة لهم في برهانهم فلا بدّ من الحل . فإن قيل : هذه مناقضة في المعقولات والمعقولات لا تنقض فإنكم مهما لم تقدروا على الشك في المقدمتين ، وهو أن العلم الواحد لا ينقسم وإن ما لا ينقسم لا يقوم بجسم منقسم لم يمكنكم الشك في النتيجة . والجواب : أن هذا الكتاب ما صنفناه إلا لبيان التهافت والتناقض في كلام الفلاسفة وقد حصل به إذا انتفض به أحد الأمرين أما ما ذكروه في النفس الناطقة أو ما ذكروه في القوة الوهمية . ثم نقول : هذه المناقضة تبين أنهم غفلوا عن موضع يلتبس في القياس ولعل موضع الالتباس قولهم : إن العلم منطبع في الجسم انطباع اللون في المتلون ، وينقسم اللون بانقسام المتلون فينقسم العلم بانقسام محله والخلل في لفظ الانطباع إذ يمكن أن لا تكون نسبة العلم إلى محله كنسبة اللون إلى المتلون حتى يقال أنه منبسط عليه ومنطبع فيه ومنتشر في جوانبه فينقسم بانقسامه فلعله نسبة العلم إلى محله على وجه آخر وذلك الوجه لا يجوز فيه الانقسام عند انقسام المحل بل نسبته إليه كنسبة إدراك العداوة إلى الجسم ووجوه نسبة الأوصاف إلى محلها ليست محصورة في فن واحد ولا هي معلومة التفاصيل لنا علما نثق به ، فالحكم عليه دون الإحاطة بتفصيل النسبة حكم غير موثوق به . وعلى الجملة لا ينكر أن ما ذكروه مما يقوى الظن ويغلبه ، وإنما ينكر كونه معلوما علما يقينيا لا يجوز الغلط فيه ولا يتطرق إليه الشك وهذا القدر يشكك فيه . قلت : أما إذا أخذت المقدمات التي استعمل الفلاسفة في هذا الباب مهملة فإن المعاندة التي ذكر أبو حامد تلزمها وذلك أن قولنا : كل ما حل من الصفات في جسم فهو منقسم بانقسام الجسم فإنه يفهم منه معنيان : أحدهما أن يكون حد الجزء من تلك الصفة الحالة في الجزء من الجسم هو حد الكل مثل حال البياض في الجسم المبيض فإن كل جزء من البياض الحال في الجسم المشار إليه يوجد حده وحد جميع البياض حدا واحدا بعينه .