ابن رشد
304
تهافت التهافت
وأما الثالثة فهي القوة التي تسمى في الحيوانات متخيلة وفي الإنسان مفكرة وشأنها أن تركب الصور المحسوسة بعضها مع بعض وتركب المعاني على الصور ، وهي في التجويف الأوسط بين حافظ الصور وحافظ المعاني ولذلك يقدر الإنسان على أن يتخيل فرسا يطير وشخصا رأسه رأس إنسان وبدنه فرس إلى غير ذلك من التركيبات ، وإن لم يشاهد مثل ذلك والأولى أن تلحق هذه القوة بالقوى المحركة كما سيأتي لا بالقوى المدركة وإنما عرفت مواضع هذه القوى بصناعة الطب ، فإن الآفة إذا نزلت بهذه التجويفات اختلت هذه الأمور . ثم زعموا أن القوة التي تتطبع فيها صور المحسوسات بالحواس الخمس تحفظ تلك الصور حتى لا تذهب بعد القبول والشيء يحفظ الشيء لا بالقوة التي بها يقبل فإن الماء يقبل ولا يحفظ والشمع يقبل برطوبته ويحفظ بيبوسته بخلاف الماء فكانت الحافظة بهذا الاعتبار غير القابلة فتسمى هذه قوة حافظة وكذلك المعاني تتطبع في الوهمية وتحفظها قوة تسمى ذاكرة فتصير الإدراكات الباطنة بهذا الاعتبار إذا ضم إليها المتخيلة خمسة كما كانت الظاهرة خمسة . وأما القوى المحركة : فتنقسم إلى محركة على معنى أنها باعثة على الحركة وإلى محركة على معنى أنها مباشرة للحركة فاعلة . والمحركة على أنها باعثة هي القوة النزوعية الشوقية وهي التي إذا ارتسم في القوة الخيالية التي ذكرناها صورة مطلوب أو مهروب عنه بعث القوة المحركة الفاعلة على التحريك ولها شعبتان شعبة تسمى قوة شهوانية وهي قوة تبعث على تحريك يقرب به من الأشياء المتخيلة ضرورية أو نافعة طلبا للذة وشعبة تسمى قوة غضبية وهي قوة تبعث على تحريك يدفع به الشيء المتخيل ضارا أو مفسدا طلبا للغلبة وبهذه القوة يتم الإجماع التام على الفعل المسمى إرادة . وأما القوة المحركة على أنها فاعلة فهي قوة تنبعث في الأعصاب والعضلات من شأنها أن تشنج العضلات فتجذب الأوتار والرباطات المتصلة بالأعضاء إلى جهة الموضع الذي فيه القوة أو ترخيها وتمددها طولا فتصير الرباطات والأوتار إلى خلاف الجهة . فهذه قوى النفس الحيوانية على طريق الإجمال وترك التفصيل . فأما النفس العاقلة للأشياء المسماة بالناطقة عندهم والمراد بالناطقة العاقلة ، لأن النطق أخص ثمرات العقل في الظاهر فنسبت إليه فلها قوتان قوة عالمة وقوة عاملة وقد تسمى كل واحدة عقلا ولكن باشتراك الاسم . فالعاملة قوة هي مبدأ محرك لبدن الإنسان إلى الصناعات المرتبة الإنسانية المستنبط ترتيبها بالرويّة الخاصة بالإنسان . وأما العالمة فهي التي تسمى النظرية وهي قوة من شأنها أن تدرك حقائق المعقولات المجردة عن المادة والمكان والجهات وهي القضايا الكلية التي يسميها المتكلمون أحوالا مرة ووجوها أخرى وتسميها الفلاسفة الكليات المجردة . فإذا للنفس قوتان بالقياس إلى جنبتين القوة النظرية بالقياس إلى جنبة الملائكة إذ بها تأخذ من الملائكة العلوم الحقيقية وينبغي أن تكون هذه