ابن رشد

301

تهافت التهافت

إن الإنسان لما كان قوامه بصفتين إحداهما عامة وهي الحيوانية مثلا ، والثانية خاصة وهي النطق ، فإنه كما أنا إذا رفعنا منه أنه ناطق لم يبق إنسانا ، كذلك إذا رفعنا عنه أنه حيوان وذلك أن الحيوانية شرط في النطق ومتى ارتفع الشرط ارتفع المشروط ، فلا خلاف بين المتكلمين والفلاسفة في هذا الباب إلا في أمور جزئية . ترى الفلاسفة أن الصفات العامة فيها شرط كالصفات الخاصة ولا يرى ذلك المتكلمون مثل أن الحرارة والرطوبة هي عند الفلاسفة من شرط الحياة في الحي الكائن الفاسد ، لكونهما أعم من الحياة ، كحال الحياة مع النطق والمتكلمون لا يرون ذلك ، ولذلك ما تسمعهم يقولون : ليس من شرط الحياة عندنا الهيئة والبلة ، وكذلك التشكل عندهم شرط من شروط الحياة الخاصة بالموجود ذي الشكل . وذلك أنه لو لم يكن شرطا لأمكن أحد أمرين : إما أن توجد الخاصة بالحيوان ، ولا يوجد فعلها أصلا ، وإما ألا توجد ؛ مثال ذلك : إن اليد عندهم هي آلة العقل التي بها يصدر عن الإنسان الأفعال العقلية مثل الكتابة وغير ذلك من الصنائع ، فإن أمكن وجود العقل في الجماد أمكن أن يوجد العقل من غير أن يوجد فعله الصادر عنه مثل ما لو أمكن أن توجد حرارة من غير أن تسخن ما شأنه أن يسخن منها . وكل موجود عندهم له كمية محدودة . وإن كان لها عرض في موجود موجود عندهم وله كيفية محدودة أيضا ، وإن كان لها عرض عندهم وكذلك آنيّة كون الموجودات عندهم محدودة وزمان بقائها محدود وإن كان لها عرض أيضا لكنه محدود . ولا خلاف بينهم أن الموجودات التي تشترك في مادة واحدة أن المادة التي بهذه الصفة مرة تقبل إحدى الصورتين ومرة تقبل مقابلتها كالحال عندهم في صور الأجسام البسيطة الأربعة التي هي : النار والهواء والماء والأرض . وإنما الخلاف فيه فيما ليس له مادة مشتركة ، أو موادها مختلفة ، هل يمكن أن تقبل بعضها صور بعض ؟ مثال ذلك ما شأنه أن يشاهد غير قابل لصورة ما من الصور إلا بوسائط كثيرة ، هل يمكن فيه أن يقبل الصورة الأخيرة بلا وسائط مثال ذلك : إن الاسطقسات تتركب حتى يكون منها نبات ثم يغتذي منه الحيوان فيكون منه دم ومني ، ثم يكون من المني والدم حيوان كما قال سبحانه : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ إلى قوله : فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ فالمتكلمون يقولون : إن