ابن رشد
299
تهافت التهافت
ومن استقرأ عجائب العلوم لم يستبعد من قدرة اللّه تعالى ما يحكى من معجزات الأنبياء بحال من الأحوال . فإن قيل : فنحن نساعدكم على أن كل ممكن مقدور للّه تعالى وأنتم تساعدون على أن كل محال فليس بمقدور ومن الأشياء ما يعرف استحالتها ومنها ما يعرف إمكانها ومنها ما يقف العقل فلا يقضى فيه باستحالة ولا إمكان فالآن ما حدّ المحال عند كم فإن رجع إلى الجمع بين النفي والإثبات في شيء واحد فقولوا أن كل شيئين ليس هذا ذاك ولا ذاك هذا فلا يستدعي وجود أحدهما وجود الآخر . وقولوا أن اللّه تعالى يقدر على خلق إرادة من غير علم بالمراد وخلق علم من غير حيوة ويقدر على أن يحرك يد ميت ويقعده ويكتب بيده مجلدات ويتعاطى صناعات وهو مفتوح العين محدق بصره نحوه ، ولكنه لا يرى ولا حيوة فيه ولا قدرة له عليه وإنما هذه الأفعال المنظومة يخلقها اللّه تعالى مع تحريك يده والحركة من جهة اللّه تعالى وبتجويز هذا يبطل الفرق بين الحركة الاختيارية وبين الرعدة فلا يدل الفعل المحكم على العلم ولا على قدرة الفاعل . وينبغي أن يقدر على قلب الأجناس فيقلب الجوهر عرضا ويقلب العلم قدرة والسواد بياضا والصوت رائحة كما اقتدر على قلب الجماد حيوانا والحجر ذهبا ويلزم عليه أيضا من المحالات ما لا حصر له . والجواب : أن المحال غير مقدور عليه والمحال إثبات الشيء مع نفيه أو إثبات الأخص مع نفي الأعم أو إثبات الاثنين مع نفي الواحد وما لا يرجع إلى هذا فليس بمحال وما ليس بمحال فهو مقدور . أما الجمع بين السواد والبياض فمحال لأنه يفهم من إثبات صورة السواد في المحل نفي هيئة البياض ووجود السواد فإذا صار نفي البياض مفهوما من إثبات السواد كان إثبات البياض مع نفيه محالا . وإنما لا يجوز كون الشخص في مكانين لأنا نفهم من كونه في البيت عدم كونه في غير البيت فلا يمكن تقديره في غير البيت مع كونه في البيت المفهم لنفيه عن غير البيت . وكذلك يفهم من الإرادة طلب معلوم فإن فرض طلب ولا علم لم تكن إرادة فكان فيه نفي ما فهمناه . والجماد يستحيل أن يخلق فيه العلم لأنا نفهم من الجماد ما لا يدرك فإن خلق فيه إدراك فتسميته جمادا بالمعنى الذي فهمناه محال وإن لم يدرك فتسميته علما ولا يدرك به محله شيئا محال فهذا وجه استحالته . وأما قلب الأجناس فقد قال بعض المتكلمين : إنه مقدور للّه تعالى فنقول مصير الشيء شيئا آخر غير معقول لأن السواد إذا انقلب قدرة مثلا فالسواد باق أم لا فإن كان معدوما فلم ينقلب بل عدم ذاك ووجد غيره وإن كان موجودا مع القدرة فلم ينقلب ولكن انضاف إليه غيره وإن بقي السواد والقدرة معدومة فلم ينقلب بل بقي على ما هو عليه وإذا قلنا انقلب الدم منيا أردنا به أن تلك المادة بعينها خلعت صورة وليست صورة أخرى فرجع الحاصل إلى أن صورة عدمت وصورة حدثت وثم مادة قائمة تعاقب عليها الصورتان وإذا قلنا انقلب الماء هواء بالتسخين أردنا به أن المادة القابلة لصورة المائية خلعت هذه الصورة وقبلت صورة أخرى فالمادة مشتركة والصفة متغيرة وكذلك إذا قلنا انقلب العصا ثعبانا والتراب حيوانا وليس