ابن رشد

298

تهافت التهافت

الرحم فيتخلق حيوانا وهذا بحكم العادة واقع في زمان متطاول فلم يحيل الخصم أن يكون في مقدور اللّه تعالى أن يدير المادة في هذه الأطوار في وقت أقرب مما عهد فيه وإذا جاز في وقت أقرب فلا ضبط للأقل فتستعجل هذه القوى في عملها ويحصل به ما هو معجزة للنبي . فإن قيل : وهذا يصدر من نفس النبي أو من مبدأ آخر من المبادي عند اقتراح النبي . قلنا : وما سلمتموه من جواز نزول الأمطار والصواعق وتزلزل الأرض بقوة نفس النبي يحصل منه أو من مبدأ آخر فقولنا في هذا كقولكم في ذلك والأولى بنا وبكم إضافة ذلك إلى اللّه تعالى إما بغير واسطة ، أو بواسطة الملائكة . ولكن وقت استحقاق حصولها انصراف همة النبي إليه وتعين نظام الخير في ظهوره لاستمرار نظام الشرع فيكون ذلك مرجحا جهة الوجود ويكون الشيء في نفسه ممكنا والمبدأ به سمحا جوادا ولكن لا يفيض منه إلا إذا ترجحت الحاجة إلى وجوده ، وصار الخير متعينا فيه ولا يصير الخبر متعينا فيه إلا إذا احتاج نبي في إثبات نبوته إليه لإفاضة الخير . فهذا كله لائق بمساق كلامهم ولازم لهم مهما فتحوا باب الاختصاص للنبي بخاصية تخالف عادة الناس فإن مقادير ذلك الاختصاص لا ينضبط في العقل إمكانه فلم يجب معه التكذيب لما تواتر نقله وورد الشرع بتصديقه . وعلى الجملة لما كان لا يقبل صورة الحيوان إلا النطفة وإنما تفيض القوى الحيوانية عليها من الملائكة التي هي مبادئ الموجودات عندهم ولم يتخلق قط من نطفة الإنسان إلا إنسان ومن نطفة الفرس إلا فرس من حيث أن حصوله من الفرس أوجب ترجيحا لمناسبة صورة الفرس على سائر الصور فلم يقبل إلا الصورة المترجحة بهذا الطريق ولذلك لم ينبت قط من الشعير حنطة ولا من بذر الكمّثرى تفاح ثم رأينا أجناسا من الحيوانات تتولد من التراب ولا تتوالد قط كالديدان ومنها ما يتولد ويتوالد جميعا كالفار والحية والعقرب ، وكان تولدها من التراب ، ويختلف استعدادها لقبول الصور بأمور غائبة عنا ولم يكن في القوة البشرية الاطلاع عليها إذ ليس تفيض الصور عندهم من الملائكة بالتشهي ولا جزافا بل لا يفيض على كل محل إلا ما تعين قبوله له بكونه مستعدا في نفسه والاستعدادات مختلفة ومبادئها عندهم امتزاجات الكواكب واختلاف نسب الأجرام العلوية في حركاتها . فقد انفتح من هذا أن مبادئ الاستعدادات فيها غرائب وعجائب حتى توصل أرباب الطلسمات من علم خواص الجواهر المعدنية وعلم النجوم إلى مزج القوى السماوية بالخواص المعدنية فاتخذوا أشكالا من هذه الأرضية ، وطلبوا لها طالعا مخصوصا من الطوالع وأحدثوا بها أمورا غريبة في العالم فربما دفعوا الحية والعقرب عن بلد والبق عن بلد إلى غير ذلك من أمور تعرف من علم الطلسمات . فإذا خرجت عن الضبط مبادئ الاستعدادات ولم نقف على كنهها ولم يكن لنا سبيل إلى حصرها ، فمن أين نعلم استحالة حصول الاستعداد في بعض الأجسام للاستحالة في الأطوار في أقرب زمان حتى يستعد لقبول صورة ما كان يستعد لها من قبل وينتهض ذلك معجزة . ما إنكار هذا إلا لضيق الحوصلة والأنس بالموجودات العالية والذهول عن أسرار اللّه سبحانه في الخلقة والفطرة