ابن رشد

297

تهافت التهافت

الخالق هو السبب في حصول تلك الطبيعة للموجود التي هو بها متعلق ، فجهلنا نحن بالممكنات إنما هو من قبل جهلنا بهذه الطبيعة التي تقتضي له الوجود أو عدمه ، فإنه لو كانت المتقابلات في الموجودات على السواء من قبل أنفسها ، ومن قبل الأسباب الفاعلة لها لكان يلزم : إما ألا توجد ولا تعدم ، أو توجد وتعدم معا ، وإذا كان ذلك كذلك فلا بد أن يترجح أحد المتقابلين في الوجود والعلم بوجود تلك الطبيعة التي هي توجب أحد المتقابلين على التحصيل . والعلم المتعلق بها هو إما علم متقدم عليها وهو العلم الذي هي معلولة عنه ، وهو العلم القديم ، أو العلم التابع لها وهو العلم الغير القديم . والوقوف على الغيب ليس هو شيئا أكثر من الاطلاع على هذه الطبيعة . وحصول العلم لنا فيما ليس عندنا دليل يتقدم عليها هو الذي يسمى للناس رؤيا وللأنبياء وحيا والإرادة الأزلية والعلم الأزلي هي الموجبة في الموجودات لهذه الطبيعة وهذا هو معنى قوله سبحانه : قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ . وهذه الطبيعة قد تكون واجبة وقد يكون حدوثها على الأكثر ، والمنامات والوحي كما قلنا إنما هو إعلام بهذه الطبيعة في الموجودات الممكنة والصنائع التي تدعى تقدمة المعرفة بما يوجد في المستقبل ، إنما عندها آثار نزرة من آثار هذه الطبيعة أو الخلقة أو كيف شئت أن تسميها ، أعني المحصلة في نفسها التي يتعلق بها العلم . قال أبو حامد : المسلك الثاني : وفيه الخلاص من هذه التشنيعات ، وهو أن نسلم أن النار خلقت خلقة إذا لاقاها قطنتان متماثلتان أحرقتهما ولم تفرق بينهما إذا تماثلتا من كل وجه ، ولكنا مع هذا نجوز أن يلقى نبي في النار فلا يحترق إما بتغيير صفة النار ، أو بتغيير صفة النبي فيحدث من اللّه تعالى أو من الملائكة صفة من النار يقصر سخونتها على جسمها بحيث لا تتعداه فيبقى معها سخونتها وتكون على صورة النار وحقيقتها ولكن لا تتعدى سخونتها وأثرها أو يحدث في بدن الشخص صفة ولا يخرجه عن كونه لحما وعظما فيدفع أثر النار . فإنا نرى من يطلي نفسه بالطلق ثم يقعد في تنور موقد ولا يتأثر به والذي لم يشاهد ذلك ينكره . فإنكار الخصم اشتمال القدرة على إثبات صفة من الصفات في النار أو في البدن يمنع الاحتراق كإنكار من لم يشاهد الطلق وأثره وفي مقدورات اللّه غرائب وعجائب ونحن لم نشاهد جميعها فلم ينبغي أن ننكر إمكانها ونحكم باستحالتها . وكذلك إحياء الميت وقلب العصا ثعبانا يمكن بهذا الطريق وهو أن المادة قابلة لكل شيء ، فالتراب وسائر العناصر يستحيل نباتا ثم النبات يستحيل عند أكل الحيوان له دما ثم الدم يستحيل منيا ، ثم المني ينصب في