ابن رشد
295
تهافت التهافت
قلت : الذي وضع هاهنا أنه قد ثبت إيهاما للخصم هو الذي يدافع به الخصم ويقول : لا دليل عليه ، وهو أن الفاعل الأول يفعل الإحراق دون واسطة خلقها لتكون من النار ، فإن دعوى مثل هذا ترفع الحس في وجود الأسباب والمسببات ، فلا يشك أحد من الفلاسفة في أن الإحراق الواقع في القطن من النار ، مثلا ، إن النار هي الفاعلة له لكن لا بإطلاق ، بل من قبل مبدأ من خارج هو شرط في وجود النار فضلا على إحراقها ، وإنما يختلفون في هذا المبدأ ما هو هل هو مفارق ؟ أو هو واسطة بين الحادث والمفارق سوى النار . قال أبو حامد مجيبا عن الفلاسفة : فإن قيل : هذا يجر إلى ارتكاب محالات شنيعة فإنه إذا أنكرتم لزوم المسببات عن أسبابها وأضيفت إلى إرادة مخترعها ولم يكن للإرادة أيضا منهج مخصوص متعين ، بل أمكن تفنّنه وتنوّعه فليجوّز كل واحد منا أن يكون بين يديه سباع ضارية ونيران مشتعلة وجبال راسية وأعداء مستعدة بالأسلحة وهو لا يراها ، لأن اللّه تعالى ليس يخلق الرؤية له . ومن وضع كتابا في بيته فليجوّز أن يكون قد انقلب عند رجوعه إلى بيته غلاما أمرد عاقلا متصرفا أو انقلب حيوانا ، ولو ترك غلاما في بيته فليجوز انقلابه كلبا أو ترك الرماد فليجوز انقلابه مسكا وانقلاب الحجر ذهبا والذهب حجرا وإذا سئل عن شيء من هذا فينبغي أن يقول لا أدري ما في البيت الآن وإنما القدر الذي أعلمه أني تركت في البيت كتابا ولعله الآن فرس وقد لطخ بيت الكتب ببوله وروثه وإني تركت في البيت خبزة ولعلها انقلبت شجرة تفاح فإن اللّه تعالى قادر على كل شيء وليس من ضرورة الفرس أن يخلق من النطفة ولا من ضرورة الشجرة أن تخلق من البذر بل ليس من ضرورته أن يخلق من شيء ، فلعله خلق أشياء لم يكن لها وجود من قبل ، بل إذا نظر إلى إنسان لم يره إلا الآن وقيل له هل هذا مولود فليتردد وليقل يحتمل أن يكون بعض الفواكه في السوق قد انقلب إنسانا وهو ذلك الإنسان ، فإن اللّه قادر على كل شيء ممكن وهذا ممكن فلا بدّ من التردد فيه وهذا فن يتسع المجال في تصويره وهذا القدر كاف . ولما حكى هذا الكلام عن الفلاسفة أتى بجواب فقال : والجواب أن نقول : إن ثبت أن الممكن كونه لا يجوز أن يخلق للإنسان علم بعدم كونه لزم هذه المحالات كلها ونحن لا نشك في هذه الصور التي أوردتموها ، فإن اللّه تعالى خلق لنا علما بأن هذه الممكنات لم يفعلها ولم ندع أن هذه الأمور واجبة بل هي ممكنة يجوز أن تقع ويجوز أن لا تقع واستمرار العادة بها مرة بعد أخرى يرسخ في أذهاننا جريانها على وفق العادة الماضية ترسخا لا تنفك عنه . بل يجوز أن يعلم نبي من الأنبياء بالطرق التي ذكروها أن فلانا لا يقدم من سفره غدا وقدومه ممكن ولكن يعلم عدم وقوع ذلك الممكن بل كما ينظر إلى العامي ، فيعلم أنه ليس يعلم الغيب في أمر من الأمور ولا يدرك المعقولات من