ابن رشد
294
تهافت التهافت
في الصور الجوهرية ، وأما الأعراض فلا . فإنهم كلهم متفقون على أن الحرارة تفعل حرارة مثلها وكذلك سائر الكيفيات الأربع ، لكن من حيث يحفظ بها حرارة الناس الأسطقسية والحرارة التي تصدر من الأجرام السماوية . وأما ما نسبه إلى الفلاسفة من أن المبادي المفارقة تفعل بالطبع لا بالاختيار فلم يقل به أحد يعتد به بل كل ذي علم فاعل عندهم باختيار لكن لموضع الفضيلة التي هنالك لا يصدر عندهم من الضدين إلا أفضلهما واختيارها ليس لشيء يكمل ذواتها ، إذ كان ليس في ذاتها نقص بل ليكمل به من الموجودات من في طباعه نقص . وأما ما نسبه من الاعتراض على معجزة إبراهيم عليه السلام فشئ لم يقله إلا الزنادقة من أهل الإسلام . فإن الحكماء من الفلاسفة ليس يجوز عندهم التكلم ولا الجدل في مبادئ الشرائع وفاعل ذلك عندهم محتاج إلى الأدب الشديد ، وذلك أنه لما كانت كل صناعة لها مبادئ وواجب على الناظر في تلك الصناعة أن يسلم مبادئها ولا يعرض لها ، ولا بأبطال ، كانت الصناعة العملية الشرعية أحرى بذلك ، لأن المشي على الفضائل الشرعية هو ضروري عندهم ، ليس في وجود الإنسان بما هو إنسان ، بل وبما هو إنسان عالم . ولذلك يجب على كل إنسان أن يسلم مبادئ الشريعة وأن يقلد فيها ولا بد الواضع لها فإن جحدها والمناظرة فيها مبطل لوجود الإنسان ، ولذلك وجب قتل الزنادقة . فالذي يجب أن يقال فيها أن مبادئها هي أمور إلهية تفوق العقول الإنسانية فلا بدّ أن يعترف بها مع جهل أسبابها ، ولذلك لا نجد أحدا من القدماء تكلم في المعجزات مع انتشارها وظهورها في العالم لأنها مبادئ تثبيت الشرائع . والشرائع مبادئ الفضائل ولا فيما يقال منها بعد الموت ، فإذا نشأ الإنسان على الفضائل الشرعية كان فاضلا بإطلاق فإن تمادى به الزمان والسعادة إلى أن يكون من العلماء الراسخين في العلم فعرض له تأويل في مبدأ من مبادئها ، ففرضه ألا يصرح بذلك التأويل وأن يقول فيه كما قال سبحانه : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا هذه هي حدود الشرائع وحدود العلماء . قال أبو حامد : والجواب له مسلكان : الأول أن نقول : لا نسلم أن المبادي ليست تفعل بالاختيار وأن اللّه تعالى لا يفعل بالإرادة وقد فرغنا عن إبطال دعواهم في ذلك في مسألة حدث العالم فإذا ثبت أن الفاعل يخلق الاحتراق بإرادة عند ملاقاة القطنة النار أمكن في العقل ألا يخلق مع وجود الملاقاة .