ابن رشد
293
تهافت التهافت
شرط في وجود الموجودات ، وفي وجود أفعالها ، وأن هذا الفاعل يتناول فعله هذه الموجودات بوساطة معقول له هو غير هذه الموجودات ، فبعضهم جعله الفلك فقط وبعضهم جعل مع الفلك موجودا آخر بريئا من الهيولى وهو الذي يسمونه واهب الصور . والفحص عن هذه الآراء ليس هذا موضعه وأشرف ما تفحص عنه الفلسفة هو هذا المعنى . فإن كنت ممن يشتاق إلى هذه الحقائق فاسلك إلى الأمر من بابه . وإنما وقع اختلافهم في حدوث الصور الجوهرية وبخاصة النفسانية ، لأنهم لم يقدروا أن ينسبوا هذه إلى الحار والبارد والرطب واليابس التي هي أسباب ما تحدث هاهنا من الطبائع عندهم وتفسد ، والدهرية هم الذين ينسبون كل ما يظهر هاهنا مما ليس له سبب ظاهر إلى الحار والبارد والرطب واليابس ويقولون : إنه عندما تمتزج هذه الاسطقسات امتزاجا ما تحدث هذه الأشياء على أنها تابعة لتلك الأمزجة مثل ما تحدث الألوان وسائر الأعراض ، وقد عنيت الفلاسفة بالرد على هؤلاء . قال أبو حامد : المقام الثاني : مع من يسلم أن هذه الحوادث تفيض عن مبادئ الحوادث ولكن الاستعداد لقبول الصور يحصل بهذه الأسباب المشاهدة الحاضرة ، إلا أن تلك المبادي أيضا تصدر الأشياء عنها باللزوم والطبع لا على سبيل التروي والاختيار صدور النور من الشمس ، وإنما افترقت المحال في القبول لاختلاف استعدادها فإن الجسم الصقيل يقبل شعاع الشمس وبرده حتى يستضيء به موضع آخر والمدر لا يقبل والهواء لا يمنع نفوذ نوره ، والحجر يمنع وبعض الأشياء يلين بالشمس وبعضها يتصلب وبعضها يبيض كثوب القصار وبعضها يسود كوجهه والمبدأ واحد والآثار مختلفة لاختلاف الاستعدادات في المحل فكذا مبادئ الوجود فياضة بما هو صادر منها لا منع عندها ولا بخل ، وإنما التقصير في القوابل . وإذا كان كذلك فمهما فرضنا النار بصفتها وفرضنا قطنتين متماثلتين لاقتا النار على وتيرة واحدة فكيف يتصور أن تحترق إحداهما دون الأخرى ، وليس ثم اختيار وعن هذا المعنى أنكروا وقوع إبراهيم عليه السلام في النار مع عدم الاحتراق وبقاء النار نارا وزعموا : إن ذلك لا يمكن إلا بسلب الحرارة من النار ، وذلك يخرجها عن كونها نارا أو بقلب ذات إبراهيم عليه السلام ورده حجرا أو شيئا لا يؤثر فيه النار ، ولا هذا ممكن ولا ذاك ممكن . قلت : إن من زعم من الفلاسفة أن هذه الموجودات المحسوسة ليست فاعلة بعضها في بعض ، وإنما الفاعل لها مبدأ من خارج فهو لا يقدر أن يقول : إن الذي يظهر من فعل بعضها في بعض هو أمر كاذب بالكل ولكن يقول : إنها تفعل بعضها في بعض استعدادا لقبولها الصور عن المبدأ الذي من خارج ، ولكن لست أعلم أحدا قال بهذا من الفلاسفة على الاطلاق وإنما قالوا : ذلك