ابن رشد

291

تهافت التهافت

فأسبابه محسوسة ضرورة ، وهذا من فعل من لا يفرق بين المعروف بنفسه والمجهول . فما أتى به في هذا الباب مغالطة سفسطانية . وأيضا فما ذا يقولون في الأسباب الذاتية التي لا يفهم الموجود إلا بفهمها ، فإنه من المعروف بنفسه أن للأشياء ذوات وصفات هي التي اقتضت الأفعال الخاصة بموجود موجود ، وهي التي من قبلها اختلفت ذوات الأشياء وأسماؤها وحدودها . فلو لم يكن له طبيعة تخصه لما كان له اسم يخصه ولا حد وكانت الأشياء كلها شيئا واحدا ولا شيئا واحدا ، لأن ذلك الواحد يسأل عنه هل له فعل واحد يخصه أو انفعال يخصه أوليس له ذلك . فإن كان له فعل يخصه فهنا أفعال خاصة صادرة عن طبائع خاصة ، وإن لم يكن له فعل يخصه واحد فالواحد ليس بواحد . وإذا ارتفعت طبيعة الواحد ارتفعت طبيعة الموجود . وإذا ارتفعت طبيعة الموجود لزم العدم . وأما هل الأفعال الصادرة عن موجود موجود ضرورية الفعل فيما شأنه أن يفعل فيه أو هي أكثرية أو فيها الأمران جميعا فمطلوب يستحق الفحص عنه . فإن الفعل والانفعال الواحد بين كل شيئين من الموجودات إنما يقع بإضافة من الإضافات التي لا تتناهى ، فقد تكون إضافة تابعة لإضافة ولذلك لا يقطع على أن النار إذا دنت من جسم حساس فعلت ولا بد ، لأنه لا يبعد أن يكون هنالك موجود يوجد له إلى الجسم الحساس إضافة تعوق تلك الإضافة الفاعلة للنار ، ومثل ما يقال في حجر الطلق وغيره ، لكن هذا ليس يوجب سلب النار صفة الإحراق ما دام باقيا لها اسم النار وحدها . وأما أن الموجودات المحدثة لها أربعة أسباب : فاعل ، ومادة ، وصورة ، وغاية ، فذلك شيء معروف بنفسه ، وكذلك كونها ضرورية في وجود المسببات وبخاصته التي هي جزء من الشيء المسبب ؛ أعني التي سماها قوم مادة وقوم شرطا ومحلا ، والتي يسميها قوم صورة ، وقوم صفة نفسية ، والمتكلمون يعترفون بأن هاهنا شروطا هي ضرورية في حق المشروط ، مثل ما يقولون : إن الحياة شرط في العلم ، وكذلك يعترفون بأن للأشياء حقائق وحدودا وأنها ضرورية في وجود الموجود ، ولذلك يطردون الحكم في ذلك في الشاهد والغائب على مثال واحد ، وكذلك يفعلون في اللواحق اللازمة لجوهر الشيء وهو الذي يسمونه الدليل مثل ما يقولون أن الاتقان في الموجود يدل على كون الفاعل عاقلا ، وكون الموجود مقصودا به غاية ما يدل على أن الفاعل له عالم