ابن رشد
290
تهافت التهافت
سواه إذ لا خلاف في أن ائتلاف الروح بالقوى المدركة والمحركة في نطف الحيوانات ليس يتولد عن الطبائع المحصورة في الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ، ولا أن الأب فاعل الجنين بإيقاع النطفة في الرحم ، ولا هو فاعل حياته وبصره وسمعه وسائر المعاني التي فيه ، ومعلوم أنها موجودة عنده ولم يقل أحد أنها موجودة به ، بل وجودها من جهة الأول إما بغير واسطة وإما بواسطة الملائكة الموكلين بهذه الأمور الحادثة وهذا مما تقطع به الفلاسفة القائلون بالصانع والكلام معهم فقد تبين أن الوجود عند الشيء لا يدل أنه موجود به . بل نبين هذا بمثال وهو أن الأكمه لو كان في عينيه غشاوة ولم يسمع من الناس الفرق بين الليل والنهار لو انكشفت الغشاوة عن عينيه نهارا وفتح أجفانه فرأى الألوان ظن أن الإدراك الحاصل في عينيه لصور الألوان فاعلة فتح البصر وأنه مهما كان بصره سليما ومفتوحا والحجاب مرتفعا والشخص المقابل متلونا ، فيلزم لا محالة أن يبصر ولا يعقل ألا يبصر حتى إذا غربت الشمس وأظلم الهواء . علم أن نور الشمس هو السبب في انطباع الألوان في بصره ، فمن أين يأمن الخصم أن يكون في المبادي للوجود علل وأسباب تفيض منها هذه الحوادث عند حصول ملاقاة بينها ، إلا أنها ثابتة ليس تنعدم ولا هي أجسام متحركة فتغيب ولو انعدمت أو غابت لأدركنا التفرقة وفهمنا أن ثم سببا وراء ما شاهدناه وهذا ما لا مخرج عنه على قياس أصلهم . ولهذا اتفق محققوهم على أن هذه الأعراض والحوادث التي تحصل عند وقوع الملاقاة بين الأجسام ، وعلى الجملة عند اختلاف نسبها إنما تفيض من عند واهب الصور وهو ملك أو ملائكة حتى قالوا انطباع صورة الألوان في العين يحصل من جهة واهب الصور ، وإنما طلوع الشمس والحدقة السليمة والجسم المتلون معدات ومهيئات لقبول المحل هذه الصورة وطردوا هذا في كل حادث ، وهذا يبطل دعوى من يدعي أن النار هي الفاعلة للاحتراق ، والخبز هو الفاعل للشبع ، والدواء هو الفاعل للصحة ، إلى غير ذلك من الأسباب . قلت : أما إنكار وجود الأسباب الفاعلة التي تشاهد في المحسوسات فقول سفسطاني ، والمتكلم بذلك إما جاحد بلسانه لما في جنانه ، وإما منقاد لشبهة سفسطانية عرضت له في ذلك . ومن ينفي ذلك فليس يقدر أن يعترف أن كل فعل لا بد له من فاعل . وأما أن هذه الأسباب مكتفية بنفسها في الأفعال الصادرة عنها أو إنما تتم أفعالها بسبب من خارج ، إما مفارق ، وإما غير مفارق ، فأمر ليس معروفا بنفسه وهو مما يحتاج إلى بحث وفحص كثير . وإن ألفوا هذه الشبهة في الأسباب الفاعلة التي يحس أن بعضها يفعل بعضا لموضع ما هاهنا من المفعولات التي لا يحس فاعلها ، فإن ذلك ليس بحق . فإن التي لا تحس أسبابها إنما صارت مجهولة ومطلوبة من أنها لا يحس لها أسباب فإن كانت الأشياء التي لا تحس لها أسباب مجهولة بالطبع ، ومطلوبة ، فما ليس بمجهول