ابن رشد

287

تهافت التهافت

الثاني : خاصية في القوة العقلية النظرية وهو راجع إلى قوة الحدس وهو سرعة الانتقال من معلوم إلى معلوم فرب ذكي إذا ذكر له المداول تنبه للدليل وإذا ذكر له الدليل تنبه للمدلول من نفسه وبالجملة إذا خطر له الحد الأوسط تنبه للنتيجة وإذا حضر في ذهنه حد النتيجة خطر بباله الحد الأوسط الجامع بين طرفي النتيجة والناس في هذا منقسمون فمنهم من يتنبه بنفسه ومنهم من يتنبه بأدنى تنبيه ومنهم من لا يدرك مع التنبيه إلا بتعب كثير وإذا جاز أن ينتهي طرف النقصان إلى من لا حدس له أصلا حتى لا يتهيأ لفهم المعقولات مع التنبيه جاز أن ينتهي طرف القوة والزيادة إلى أن يتنبه لكل المعقولات أو لأكثرها وفي أسرع الأوقات وأقربها . ويختلف ذلك بالكمية في جميع المطالب أو بعضها وفي الكيفية حتى يتفاوت في السرعة والقرب فرب نفس مقدسة صافية تستمر حدسا في جميع المعقولات وفي أسرع الأوقات فهو النبي الذي له معجزة من القوة النظرية فلا يحتاج في المعقولات إلى تعلم بل كأنه متعلم من نفسه وهو الذي وصف بأنه يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ، نور على نور . الثالث : القوة النفسية العملية قد تنتهي إلى حد تتأثر بها الطبيعيات وتتسخر مثاله أن النفس منا إذا توهمت شيئا خدمتها الأعضاء والقوى التي فيها فتحركت إلى الجهة المتخيلة المطلوبة حتى إذا توهم شيئا طيب المذاق تحلبت أشداقه وانتهضت القوة الملعبة الفياضة باللعاب من معادنه وإذا تصور الوقاع انتهضت القوة فنشرت الآلة بل إذا مشى على جذع ممدود على فضاء طرفاه على حائطين اشتد وهمه للسقوط فانفعل الجسم بتوهمه وسقط ولو كان ذلك على الأرض لمشى عليه ولم يسقط وذلك لأن الجسم والقوى الجسمانية خلقت خادمة مسخرة للنفوس ويختلف ذلك باختلاف صفاء النفوس وقوتها . فلا يبعد أن تبلغ قوة النفس إلى حد تخدمه القوة الطبيعية في غير بدنه لأن نفسه ليست منطبعة في بدنه إلا أن له نوع نزوع وشوق إلى تدبيره خلق ذلك في جبلته فإذا جاز أن تطيعه أجسام بدنه لم يمتنع أن يطيعه غير بدنه فيتطلع نفسه إلى هبوب ريح أو نزول مطر أو هجوم صاعقة أو تزلزل أرض تنخسف بقوم وذلك موقوف حصوله على حدوث برودة أو سخونة أو حركة في الهواء فيحدث من نفسه تلك السخونة أو البرودة ، وتتولد منه هذه الأمور من غير حضور سبب طبيعي ظاهر ، ويكون ذلك معجزة للنبي ولكن إنما يحصل ذلك في هواء مستعد للقبول ولا ينتهي إلى أن ينقلب الخشب حيوانا أو ينشق القمر الذي لا يقبل الانخراق . فهذا مذهبهم في المعجزات ونحن لا ننكر شيئا مما ذكروه وأن ذلك مما يكون للأنبياء وإنما ننكر اقتصارهم عليه ومنعهم قلب العصي ثعبانا وإحياء الموتى وغيره فلزم الخوض في هذه المسألة لإثبات المعجزات ولأمر آخر وهو نصرة ما أطبق عليه المسلمون من أن اللّه تعالى قادر على كل شيء فلنخض في المقصود . قلت أما الكلام في المعجزات فليس فيه للقدماء من الفلاسفة قول لأن هذه كانت عندهم من الأشياء التي لا يجب أن يتعرض للفحص عنها وتجعل مسائل فإنها مبادئ الشرائع ، والفاحص عنها والمشكك فيها يحتاج إلى عقوبة