ابن رشد
286
تهافت التهافت
الفلكية تأثيرا في الأمور المصنوعة أن يكون ذلك التأثير لها إلا في المصنوع لا أن يتعدى تأثير ذلك المصنوع إلى شيء آخر خارج عنه . وأما علوم الحيل فهي داخلة في باب التعجب ولا مدخل لها في الصنائع النظرية . وأما الكيمياء فصناعة مشكوك في وجودها وإن وجدت فليس يمكن أن يكون المصنوع منها هو المطبوع بعينه لأن الصناعة قصاراها إلى أن تتشبه بالطبيعة ولا تبلغها في الحقيقة وأما هل تفعل شيئا يشبه في الجنس الأمر الطبيعي فليس عندنا ما يوجب استحالة ذلك ولا إمكانه والذي يمكن أن يوقف منه على ذلك هو طول التجربة مع طول الزمان . وأما الأربع مسائل التي ذكر فنحن نذكر واحدة واحدة منها . قال أبو حامد : المسألة الأولى : حكمهم بأن هذا الاقتران المشاهد في الوجود بين الأسباب والمسببات اقتران تلازم بالضرورة وليس في المقدور ولا في الإمكان إيجاد السبب دون المسبب ولا وجود المسبب دون السبب . والثانية : قولهم أن النفوس الإنسانية جواهر قائمة بأنفسها ليست منطبعة في الجسم وإن معنى الموت انقطاع علاقتها عن البدن بانقطاع التدبير وإلا فهو قائم بنفسه في كل حال وزعموا أن ذلك عرف بالبرهان العقلي . الثالثة : قولهم أن هذه النفوس يستحيل عليها العدم بل هي إذا وجدت فهي أبدية سرمدية لا يتصور فناؤها . الرابعة : قولهم أن هذه النفوس يستحيل ردها إلى الأجساد . وإنما لزم النزاع في الأولى من حيث أنه ينبني عليها إثبات المعجزات الخارقة للعادة مثل قلب العصا ثعبانا وإحياء الموتى وشق القمر ومن جعل مجاري العادات لازمة لزوما ضروريا أحال جميع ذلك وأولو ما في القرآن من إحياء الموتى وقالوا أراد به إزالة موت الجهل بحياة العلم وأولو تلقف العصا سحر السحرة على إبطال الحجة الإلهية الظاهرة على يدي موسى شبهات المنكرين وأما شق القمر فربما أنكروا وجوده وزعموا أنه لم يتواتر . ولم تثبت الفلاسفة من المعجزات الخارقة للعادات إلا في ثلاثة أمور . أحدها : في القوة المتخيلة فإنهم زعموا أنها إذا استولت وقويت ولم يستغرقها الحواس والاشتغال أطلعت على اللوح المحفوظ وانطبع فيها صور الجزئيات الكائنة في المستقبل وذلك في اليقظة للأنبياء ولسائر الناس في النوم فهذه خاصية النبوة للقوة المتخيلة .