ابن رشد
284
تهافت التهافت
ولا أيضا وجوب وجوده من الأمور المعروفة بأنفسها ، لكن القوم ، أعني الفلاسفة يزعمون أنه قد قام البرهان عندهم على وجود عقل بهذه الصفة . وأما وجود خيالات غير متناهية فممتنع على كل جزئي متخيل ، وأما وجود ما لا نهاية له في العلم القديم ، وكيف يقع الأعلام بالجزئيات الحادثة في المستقبل للإنسان من قبل العلم القديم فأمر يدعي القوم أن عندهم بيانه من قبل أن النفس تعقل من ذلك المعنى الكلي الذي في العقل لا من الجزئي الذي يخص وقتها ، والأشخاص المعروفة عندها ، لأن النفس هي بالقوة جميع الموجودات وما بالقوة فهو يخرج إلى الفعل : إما من قبل الأمور المحسوسة ، وإما من قبل طبيعة العقل المتقدمة على المحسوسات في الوجود ؛ أعني العقل الذي من قبله صارت الموجودات المحسوسة معقولة متقنة لا من جهة أن في ذلك العلم خيالات لأشخاص لا نهاية لهم . وبالجملة فيزعمون : إنه قد اتحد العلمان الكلي والجزئي في العلم المفارق للمادة ، وإنه إذا فاض ذلك العلم على ما هاهنا انقسم إلى كلي وجزئي وليس ذلك العلم لا كليا ولا جزئيا . وهذا أو ضده ليس يمكن أن يتبين في هذا الموضع وإنما التكلم في هذه الأشياء في هذا الموضع بمنزلة من أخذ مقدمات هندسية ليس لها شهرة تفعل فيها تصديقا ولا إقناعا في بادئ الرأي فضرب بعضها ببعض ؛ أعني جعل يعرض بعضها على بعض فإن ذلك من أضعف أنواع الكلام وأخسه لأنه ليس يقع بذلك تصديق برهاني ولا إقناعي . وكذلك العلم بالفروق التي بين نفوس الأجرام السماوية وبين نفس الإنسان هي كلها مطالب غامضة ومتى تكلم في شيء منها في غير موضعه أتى الكلام فيها إما غريبا وإما إقناعيا ، وفي بادئ الرأي ؛ أعني من مقدمات ممكنة مثل قولهم : إن النفس الغضبية والشهوانية تعوق النفس الإنسانية عن إدراك ما شأن النفس أن تدركه ، فإن هذه الأقاويل وأمثالها يظهر من أمرها أنها ممكنة وأنها تحتاج إلى أدلة وأنها يتطرق إليها إمكانات كثيرة متقابلة . فهذا آخر ما رأينا أن نذكره في تعريف الأقاويل التي وقعت في هذا الكتاب في المسائل الإلهية ، وهي معظم ما في هذا الكتاب . ثم نقول بعد هذا إن شاء اللّه تعالى في المسائل الطبيعية .