ابن رشد

283

تهافت التهافت

الأجسام التي فوقه وتحته ومن جوانبه وأنه إذا مشى في شمس ينبغي أن يعلم المواضع التي يقع عليها ظله والمواضع التي لا يقع وما يحصل من ظله من البرودة يقطع الشعاع في تلك المواضع وما يحصل من الانضباط لأجزاء الأرض تحت قدمه ، وما يحصل من التفرق فيها وما يحصل في أخلاطه في الباطن من الاستحالة بسبب الحركة إلى الحرارة وما يستحيل من أجزائه إلى العرق وهلم جرا إلى جميع الحوادث في بدنه وفي غيره من بدنه مما الحركة علة فيه أو شرط أو مهيئ أو معد وهو هوس لا يتخيله عاقل ولا يغتر به إلا جاهل وإلى هذا يرجع هذا التحكم . على أنا نقول هذه الجزئيات المفصلة المعلومة لنفس الفلك هي الموجودة في الحال ، أو ينضاف إليها ما يتوقع كونها في الاستقبال فإن قصرتموه على الموجود في الحال بطل اطلاعه على الغيب واطلاع الأنبياء في اليقظة وسائر الخلق في النوم على ما سيكون في الاستقبال بواسطته ، ثم بطل مقتضى الدليل فإنه تحكم بأن من عرف الشيء عرف لوازمه وتوابعه حتى لو عرفنا جميع أسباب الأشياء لعرفنا جميع الحوادث المستقبلة وأسباب جميع الحوادث حاضرة في الحال فإنها هي الحركة السماوية ولكن تقتضي المسبب ، أما بواسطة أو بوسائط كثيرة . وإذا تعدى إلى المستقبل لم يكن له آخر فكيف يعرف تفصيل الجزئيات في الاستقبال إلى غير نهاية وكيف يجتمع في نفس مخلوق في حالة واحدة من غير تعاقب علوم جزئية مفصلة لا نهاية لأعدادها ولا غاية لآحادها ومن لا يشهد له عقله باستحالة ذلك فلييأس من عقله . فإن قلبوا علينا هذا علم اللّه تعالى فليس تعلق علم اللّه بالاتفاق بمعلوماته على نحو تعلق العلوم التي هي للمخلوقات بها مهما دار نفس الفلك دورة نفس الإنسان كان من قبيل نفس الإنسان فإنه شاركه في كونه مدركا للجزئيات بواسطة فإن لم يلتحق به قطعا كان الغالب على الظن أنه من قبيله فإن لم يكن غالبا على الظن فهو ممكن والإمكان يبطل دعواهم القطع بما قطعوا به . فإن قيل حق النفس الإنسانية في جوهرها أن تدرك أيضا جميع الأشياء ولكن اشتغالها بنتائج الشهوة والغضب والحرص والحقد والحسد والجوع والألم ، وبالجملة عوارض البدن وما يورده الحواس عليه حتى إذا أقبلت النفس الإنسانية على شيء واحد شغلها عن غيره . وأما النفوس الفلكية فبريّة عن هذه الصفات لا يعتريها شاغل ولا يستغرقها هم وألم وإحساس فعرفت جميع الأشياء . قلنا : عرفتم أنه لا شاغل لها وهلا كانت عبادتها واشتياقها إلى الأول مستغرقا لها وشاغلا لها عن تصور الجزئيات المفصلة أو ما الذي يحمل تقدير مانع آخر سوى الغضب والشهوة وهذه الموانع المحسوسة ، ومن أين عرف انحصار المانع في القدر الذي شاهدناه من أنفسنا ، وفي العقلاء شواغل من علو الهمة وطلب الرئاسة ما يستحيل تصوره عند الأطفال ولا يعتقدونها شاغلا ومانعا ، فمن أين يعرف استحالة ما يقوم مقامها في النفوس الفلكية . هذا ما أردنا أن نذكره في العلوم الملقبة عندهم بالإلهية . قلت : أما استبعاده أن يكون هاهنا عقل بريء من المادة يعقل الأشياء بلوازمها الذاتية على جهة الحصر لها ، فليس امتناعه من الأمور المعروفة بأنفسها