ابن رشد

281

تهافت التهافت

الخيالات الجزئية والكلية هو قول مقنع . والذي يلزم عن أصول القوم أن الأجرام السماوية لا تتخيل أصلا ، لأن هذه الخيالات كما قلنا إنما هي لموضع السلامة سواء كانت عامة أو خاصة وهي أيضا من ضرورة تصورنا بالعقل ، ولذلك كان تصورنا كائنا فاسدا وتصور الأجرام السماوية إذ كان غير كائن ولا فاسد فيجب أن لا يقترن بخيال وألا يستند إليه بوجه من الوجوه ، ولذلك ليس ذلك الإدراك لا كليا ولا جزئيا ، بل يتحد هنالك العلمان ضرورة ؛ أعني الكلي والجزئي وإنما يتميز هاهنا في المواد من قبل تلك ومن هذه الجهة وقع الإعلام بالغيوب والرؤيا وما أشبه ذلك وهذا يبيّن على التمام في موضعه . قال أبو حامد : والجواب : أن نقول : بم تنكرون على من يقول أن النبي يعرف الغيب بتعريف اللّه تعالى على سبيل الابتداء وكذا من يرى في المنام ، فإنما يعرفه بتعريف اللّه تعالى أو بتعريف ملك من الملائكة فلا يحتاج إلى شيء مما ذكرتموه فلا دليل في هذا ولا دليل لكم في ورود الشرع باللوح والقلم ، فإن أهل الشرع لم يفهموا من اللوح والقلم هذا المعنى فلا متمسك في الشرعيات ينفي التمسك بمسالك العقول وما ذكرتموه وإن اعترف بإمكانه مهما لم يشترط نفي النهاية عن هذه المعلومات فلا يعرف وجوده ولا يتحقق كونه وإنما السبيل فيه أن يتعرف من الشرع لا من العقل . وأما ما ذكرتموه من الدليل العقلي أولا فمبني على مقدمات كثيرة لسنا نطول بإبطالها ولكنا ننازع في ثلاث مقدمات منها . المقدمة الأولى قولكم : إن حركة السماء إرادية وقد فرغنا من هذه المسألة وإبطال دعواكم فيها . الثانية : أنه إن سلم ذلك مسامحة له لكم فقولكم أنه يفتقر إلى تصور جزئي للحركات الجزئية فغير مسلم بل ليس ثم جزء عندكم في الجسم فإنه شيء واحد وإنما يتجزى بالوهم ولا في الحركة فإنها واحدة بالاتصال فيكفي تشوقها إلى استيفاء الأيون الممكنة لها ، كما ذكروه وكيفها التصور الكلي والإرادة الكلية . ولنمثل للإرادة الكلية والجزئية مثالا ليفهم غرضهم ، فإذا كان للإنسان غرض كلي في أن يحج بيت اللّه تعالى مثلا فهذه الإرادة الكلية لا تصدر منها الحركة لأن الحركة تقع جزئية في جهة مخصوصة بمقدار مخصوص بل لا يزال يتجدد للإنسان في توجهه إلى البيت تصور بعد تصور المكان الذي يتخطاه والجهة التي يسلكها ويتبع كل تصور جزئي إرادة جزئية للحركة عن المحل الموصول إليه بالحركة ، فهذا ما أرادوه بالإرادة الجزئية التابعة للتصور الجزئي وهو مسلم لأن الجهات متعددة في التوجه إلى مكة والمسافة غير متعينة فيفتقر تعيين مكان عن مكان وجهة عن جهة إلى إرادة أخرى جزئية . وأما الحركة السماوية فلها وجه واحد فإن الكرة إنما تتحرك على نفسها وفي حيزها لا تجاوزها والحركة المرادة ، وليس ثم إلا وجه واحد وضرب واحد وجسم واحد فهو كهوي