ابن رشد
277
تهافت التهافت
المسألة السادسة عشر في إبطال قولهم إن نفوس السماوات مطلعة على جميع الجزئيات الحادثة في هذا العالم وأن المراد باللوح المحفوظ نفوس السماوات ، وأن انتقاش جزئيات العالم فيها يضاهي انتقاش المحفوظات في القوة الحافظة المودعة في دماغ الإنسان ، لا أنه جسم عريض صلب مكتوب عليه الأشياء ، كما يكتب الصبيان على اللوح لأن تلك الكتابة تستدعي كثرتها اتساع المكتوب عليه ، وإذا لم يكن للمكتوب نهاية لم يكن للمكتوب عليه نهاية ، ولا يتصور جسم لا نهاية له ولا يمكن خطوط لا نهاية لها على جسم ولا يمكن تعريف أشياء لا نهاية لها بخطوط معدودة . وقد زعموا ؛ أن الملائكة السماوية هي نفوس السماوات وأن الملائكة الكرويين المقربين هي العقول المجردة التي هي جواهر قائمة بأنفسها لا تتحيز ولا تتصرف في الأجسام ، وأن هذه الصور الجزئية تفيض على النفوس السماوية منها ، وهي أشرف من الملائكة السماوية ، لأنها مفيدة وتلك مستفيدة والمفيد أشرف من المستفيد ولذلك عبر عن الأشرف بالقلم فقال تعالى علم بالقلم لأنه كالنقاش المقيد مثل القلم وشبه المستفيد باللوح هذا مذهبهم . والنزاع في هذه المسألة يخالف النزاع فيما قبلها فإن ما ذكروه من قبل ليس محالا إذ منتهاه كون السماء حيوانا متحركا لغرض وهو ممكن ، وأما هذه فترجع إلى إثبات علم لمخلوق بالجزئيات التي لا نهاية لها وهذا ربما يعتقد استحالته فيطالب بالدليل عليه لأنه تحكم في نفسه . قلت : هذا الذي حكاه لم يقله أحد من الفلاسفة في علمي إلا ابن سينا ؛ أعني أن الأجرام السماوية تتخيل فضلا على أن تتخيل خيالات لا نهاية لها والإسكندر يصرح في مقالته المسماة « بمبادىء الكل » أن هذه الأجرام ليست متخيلة لأن الخيال إنما كان في الحيوان من أجل السلامة وهذه الأجرام لا تخاف الفساد فالخيالات في حقها باطل ، وكذلك الحواس ولو كان لها خيالات لكان لها حواس ، لأن الحواس شرط في الخيالات فكل متخيل حساس ضرورة وليس