ابن رشد

276

تهافت التهافت

الحركة والتغير وهو التشبه بالله تعالى على التحقيق فإنه مقدس عن التغير والحركة تغير ولكنه اختار الحركة لإفاضة الخير فإنه كان ينتفع به غيره وليس تثقل عليه الحركة ولا تتعبه فما المانع من هذا الخيال . والثاني : إن الحوادث تبنى على اختلاف النسب المتولدة من اختلاف جهات الحركات فلتكن الحركة الأولى مغربية وما عداها مشرقية وقد حصل به الاختلاف ، ويحصل به تفاوت النسب فلم تعينت جهة واحدة ، وهذه الاختلافات لا تستدعي إلا أصل الاختلاف ، فأما جهة بعينها فليس بأولى من نقيضها في هذا المعنى . قلت : إن هذا المتكلم رام أن يعطي السبب في ذلك من قبل السبب الغائي لا من قبل الفاعل . وليس يشك أحد من الفلاسفة أن هنالك سببا غائيا على القصد الثاني هو ضروري في وجود ما هاهنا وإن كان لم يوقف عليه بعد على التفصيل لكن لا يشك أنه ما من حركة هاهنا ولا مسير ولا رجوع للكواكب إلا ولها مدخل في وجود ما هاهنا ، حتى لو اختلف منها شيء لاختل الموجود هاهنا . ولكن كثيرا من هذه الأسباب الجزئية إما أن لا يوقف عليها أصلا وإما أن يوقف عليها بعد زمان طويل وتجربة طويلة مثل ما يحكى أن الحكيم أثبته في كتابه « في التدبيرات الفلكية الجزئية » . فأما الأمور الكلية فالوقوف عليها يسهل وأصحاب علوم التنجيم قد وقفوا على كثير منها وقد أدرك في زماننا هذا كثير مما وقفت عليه الأمم السالفة من هذا المعنى كالكلدانيين وغيرهم ، فلذلك لا ينبغي ألا يعتقد أن لذلك حكمة في الموجودات إذ قد ظهر بالاستقراء أن جميع ما يظهر في السماء هو لموضع حكمة غائية وسبب من الأسباب الغائية ، فإنه إنه كان الأمر في الحيوان والإنسان نحو من عشرة آلاف حكمة في زمان قدره ألف سنة ، فلا يبعد أن يظهر في آباد السنين الطويلة كثير من الحكمة التي في الأجرام السماوية . وقد نجد الأوائل رمزوا في ذلك رموزا يعلم تأويلها الحكماء الراسخون في العلم ، وهم الحكماء المحققون . وأما الأول وهو قوله : إن لقائل أن يقول أن التشبه بالله يقتضي له أن يكون ساكنا لأن اللّه تعالى يتقدس عن الحركة لكن اختار الحركة لما فيها من إفاضة الخير على الكائنات ، فإنه كلام مختل فإن اللّه ليس بساكن ولا متحرك وأن يتحرك الجسم أفضل له من أن يسكن ، فإذا تشبه الموجود بالله فإنما يتشبه به بكونه في أفضل حالاته وهي الحركة . وأما الجواب الثاني فقد تقدم الجواب عنه .