ابن رشد

274

تهافت التهافت

قال أبو حامد : والثاني : هو أنا نقول : ما ذكرتموه من الغرض حاصل بالحركة المغربية فلم كانت الحركة الأولى مشرقية وهلا كانت حركات الكل إلى جهة واحدة فإن كان في اختلافها غرض فهلا اختلفت بالعكس ، فكانت التي هي مشرقية مغربية ، والتي هي مغربية مشرقية . فإن كل ما ذكرتموه من حصول الحوادث باختلاف الحركات من التثليثات والتسديسات وغير ما يحصل بعكسه . وكذا ما ذكروه من استيفاء الأوضاع والأيون ، كيف ، ومن الممكن لها الحركة إلى الجهة الأخرى فما بالها لا تتحرك مرة من جانب ومرة من جانب استيفاء لما يمكن لها إن كان في استيفاء كل ممكن كمال . فدل أن هذه خيالات لا حاصل لها وأن أسرار ملكوت السماوات لا يطلع عليها بأمثال هذه الخيالات ، وإنما يطلع اللّه تعالى عليها أنبياءه وأولياءه على سبيل الإلهام لا على سبيل الاستدلال ولذلك عجز الفلاسفة من عند آخرهم عن بيان السبب في جهة الحركة واختيارها . قلت : هذه معاندة سفسطانية وذلك أن النقلة من مسألة إلى مسألة هو من فعل السفسطانية . فإنه كيف يلزم عن عجزهم أن عجزوا عن إعطاء السبب في اختلاف جهات حركات السماء أن يعجزوا عن إعطاء السبب في حركة السماء . أو أن لا يكون لحركتها علة ؛ وهذا كلام كله في غاية الركاكة والضعف . وأما هذه المسألة فما أكثر فرحهم بها لأنهم يظنون أنهم قد عجزوا الفلاسفة فيها ، والسبب في ذلك جهلهم بأنحاء الطرق المسلوكة في إعطاء الأسباب والمقدار الذي يطلب منها ويعطى في شيء شيء من الموجودات فإنه يختلف باختلاف طبائع الموجودات ، وذلك أن الأشياء البسيطة ليس لها سبب فيما يصدر عنها الأنفس طبائعها وصورها ، وأما الأمور المركبة فتلفى لها أسباب فاعلة غير صورها ، وهي التي أوجبت تركبها واقتران أجزائها بعضها إلى بعض . مثال ذلك : إن الأرض ليس لها سبب في أن كانت تهوي إلى أسفل إلا صفة الأرضية ، وليس للنار سبب في أن تعلو إلى فوق الأنفس طبيعتها وصورتها ، وبهذه الطبيعة قيل أنها مضادة للأرض ، وكذلك الفوق والأسفل ليس لهما سبب به صارت إحدى الجهتين أعلى والأخرى أسفل ، بل ذلك بمقتضى طباعهما . وإذا وجب اختلاف الجهات لأنفسها واختلاف الحركات لاختلاف الجهات فليس هاهنا سبب يعطى في اختلاف الحركات إلا اختلاف جهات المتحركات ، واختلاف الجهات لاختلاف طبائعها ؛ أعني أن بعضها أشرف من بعض . مثال ذلك : إن الإنسان إذا أحس بالحيوان يقدم في الحركة إحدى رجليه من جهة من بدنه ، ثم يتبع بها الأخرى فقال : لم كان الحيوان يقدم هذه الرجل ويؤخر الأخرى دون أن يكون الأمر بالعكس لم يكن هنالك سبب يوفي في ذلك إلا أن