ابن رشد

271

تهافت التهافت

المسألة الخامسة عشر في إبطال ما ذكروه من الغرض المحرك للسماء وقد قالوا : إن السماء حيوان مطيع للّه تعالى بحركته ومتقرب إليه لأن كل حركة بالإرادة فهي لغرض أن يصور الفعل والحركة من حيوان إلا إذا كان الفعل أولى به من الترك ، وإلا فلو استوى الفعل والترك لما تصور الفعل . ثم التقرب إلى اللّه تعالى ليس معناه طلب الرضا والحذر من السخط فإن اللّه تعالى يتقدس عن السخط والرضا ، وإن أطلق أحد هذه الألفاظ فعلى سبيل المجاز ويكنى بها عن إرادة العقاب وإرادة الثواب ، ولا يجوز أن يكون التقرب يطلب القرب منه في المكان ، فإنه محال فلا يبقى إلا طلب القرب في الصفات فإن الوجود الأكمل وجوده وكل وجود ، فبالإضافة إلى وجوده ناقص وللنقصان درجات وتفاوت فالملك أقرب إليه صفة لا مكانا وهو المراد بالملائكة المقربين ، أي الجواهر العقلية التي لا تتغير ولا تستحيل ولا تفنى وتعلم الأشياء على ما هي عليه ، والإنسان كلما ازداد قربا من الملك في الصفات ازداد قربا من اللّه تعالى ، ومنتهى طبيعة الآدميين التشبه بالملائكة . وإذا ثبت أن هذا معنى التقرب إلى اللّه ، وأنه يرجع إلى طلب القرب منه في الصفات ، وذلك للآدمي بأن يعلم حقائق الأشياء ، وبأن يبقى بقاء مؤيدا على أكمل أحواله الممكن له فإن البقاء على الكمال الأقصى هو للّه تعالى والملائكة المقربون كل ما يمكن لهم من الكمال فهو حاضر معهم في الوجود إذ ليس فيهم شيء بالقوة حتى يخرج إلى الفعل ، فإذا كمالهم في الغاية القصوى بالإضافة إلى ما سوى اللّه والملائكة السماوية هي عبارة عن النفوس المحركة للسماوات وفيها ما بالقوة وكمالاتها منقسمة إلى ما هو بالفعل كالشكل الكري والهيئة ، وذلك حاضر وإلى ما هو بالقوة ، وهو الهيئة في الوضع والأين وما من وضع معين إلا وهو ممكن له ولكن ليس له سائر الأوضاع بالفعل فإن الجمع بين جميعها غير ممكن فلما لم يمكنها استيفاء آحاد الأوضاع على الدوام قصد استيفاءها بالنوع فلا يزال يطلب وضعا بعد وضع وأينا بعد أين ولا ينقطع قط هذا الإمكان فلا تنقطع هذه الحركات وإنما قصده التشبه بالمبدأ الأول في نيل الكمال الأقصى على حسب الإمكان في حقه ، وهو معنى طاعة الملائكة السماوية اللّه تعالى .