ابن رشد

270

تهافت التهافت

الجسم المتحرك بها واحد . فحركة الدور ليس يطلب بها المتحرك مكانا فيمكن أن يكون خلق فيه معنى يطلب به المتحرك الحركة نفسها ، ويكون ذلك المعنى طبيعة لا نفسا . والانفصال عن هذا أن قولهم : هذا إنما هو لمن زعم أن تبديل الكواكب مكانها هو عن حركة طبيعية شبيهة بتبديل المتحركات بالطبع مكانها ، ووضعهم الحقيقي هو أن الحركة الدورية ليس يطلب المتحرك بها مكانا ، وإنما يطلب نفس الحركة الدورية وأن ما هذا شأنه فالمحرك له نفس ضرورة لا طبيعة . لأن الحركة ليس لها وجود إلا في العقل ، إذ كان ليس يوجد خارج النفس إلا المتحرك فقط ، وفيه جزء من الحركة غير متقرر الوجود ، فالذي يتحرك إلى الحركة بما هي حركة هو متشوق لها ضرورة ، والذي يتشوق الحركة فهو متصور لها ضرورة . وهذا أحد المواضع التي يظهر منها أن الأجرام السماوية هي ذوات عقول وشوق ، وقد يظهر ذلك أيضا من مواضع شتى : أحدها أن المتحرك الواحد من الأجسام الكرية نجده يتحرك الحركتين المتضادتين معا ؛ أعني الغربية والشرقية . وذلك شيء لا يمكن عن الطبيعة . فإن المتحرك بالطبيعة إنما يتحرك حركة واحدة فقط . وقد تقدم القول في الأشياء التي حركت القوم إلى أن يعتقدوا أن السماء ذات عقل وأبينها أنه لما تبين عندهم أن المحرك لها هو عقل بريء من المادة لزم أن لا يحرك إلا من جهة ما هو معقول ومتصور وإذا كان ذلك كذلك فالمتحرك عنه عاقل ومتصور ضرورة ، وقد يظهر ذلك أيضا من أن حركتها شرط في وجود ما هاهنا من الموجودات أو حفظها وليس يمكن أن يكون ذلك عن الاتفاق وهذه الأشياء لا تتبين في هذا الموضع إلا بيانا ذائعا ومقنعا .